» الصّدق والكذب               » كلّا إنّها كلمة هو قائلها                » التربية بالقدوة الحسنة                » الشّباب ووقت الفراغ               » الإمام علي أعلم الأمّة               » الصّداقة وأثر الصّديق على صديقه                » من أدلّة إمامة الإمام علي .. حديث الغدير               » أخطاء تربويّة               » اتّقوا الله وكونوا مع الصّادقين               » عنف الرّجل ضدّ زوجته وأثره على الأسرة               
 
القائمة الرئيسية
 
الرئيسية
مسائل وردود
المكتبة الصوتية
المكتبة المرئية
المكتبة المقروءة
المؤلفات
الأسرة والمجتمع
الأخلاق
بحوث ومقالات عامة
بحوث ومقالات عقائدية
بحوث ومقالات في رحاب أهل البيت
اتصل بنا
 
القائمة البريدية
 
محرك البحث
 
المتواجدون 0
زوار اليوم 33
عدد الزوار 43857
التعليقات 1
 
الأخلاق
 
 
الصّدق والكذب
روضة الفكر - 2026/08/22 - [المشاهدات : 3]
 

 الصّدق والكذب

الشيخ حسن عبد الله العجمي

المصدر كتاب "مفاتيح الكمال"

عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام قال: «الصّدقُ صلاح كلّ شيءٍ، والكذبُ فساد كلّ شيءٍ». "ميزان الحكمة 2/1572".

إنّ أول ما يلفت الانتباه في كلام الإمام عليه السلام هو التعميم الشّامل؛ فهو لم يقل إنّ الصّدق يصلح بعض الأمور فقط، ولم يقل إنّ الكذب يفسد مجالًا دون آخر، بل أكّد أنّ الصّدق أصل الصّلاح لكلّ شيء، وأنّ الكذب أساس الفساد لكلّ شيء، وهذا التّعميم ليس مبالغة لفظيّة، بل هو توضيح لحقيقة عميقة؛ فالصّدق ليس مجرّد فضيلة عاديّة بين الفضائل، بل هو الأساس الذي تقوم عليه كلّ الأخلاق، والقاعدة التي إذا سقطت انهار معها السّلوك الأخلاقي كلّه من جذوره.

فالعدل لا يقوم إلّا على صدق الشّهادة وصدق الحكم، والأمانة لا تصان إلّا بصدق اللسان في الإخبار وصدق الجوارح في الأداء، والوفاء بالعهد صورة من صدق القول مع مضيّ الزّمن، والشّجاعة صدق الموقف عند تزاحم المخاوف، والحياء صدق النّفس مع ذاتها حين تعرف قدرها، حتّى العبادة نفسها إنّما تقبل بمقدار ما فيها من صدق التوجّه إلى الله سبحانه، فإذا خالطها رياء أوْ تصنّع فقد خالطها الكذب فأفسدها، وهكذا يظهر أنّ الصّدق بمنزلة الرّوح التي إذا سرت في الفضائل أحيتها، وأنّ الكذب بمنزلة السمّ الذي إذا خالط عملًا أهلكه.

وفي المقابل نجد أنّ الكذب حين وصفه أمير المؤمنين عليه السلام بأنّه فساد كلّ شيء لم يكن يتحدّث عن كذبة عابرة يطلقها اللسان في موقف من المواقف، بل عن حقيقة نفسيّة واجتماعيّة تنسحب آثارها على كلّ ما يمسه الكاذب، فالكاذب في نفسه مفسد لصفاء باطنه لأنّه يعيش ازدواجًا بين ما يعرفه حقًّا وما يظهره للنّاس، والكاذب في بيته مفسد لثقة أهله به حين ينكشف أمره، والكاذب في تجارته مفسد لبركة كسبه وإنْ ربح، والكاذب في مجتمعه مفسد لنسيج العلاقات التي لا تنتظم إلّا على أساس من الثّقة المتبادلة، والكاذب في علمه مفسد لمسيرة المعرفة لأنّه ينقل إلى النّاس ما ليس بحقّ فيبنون عليه أحكامهم فيقعون في ضلال لا يرجعون منه بسهولة.

وقد يظن الظّان أنّ الصّدق الذي يعنيه الإمام عليه السلام هو صدق اللسان فحسب، أيْ أنْ يطابق كلام الإنسان ما في الواقع، وهذا وإنْ كان صحيحًا في أصله إلّا أنّه لا يستوعب سعة الكلمة في منطوق أمير المؤمنين عليه السلام، فالصّدق في مدرسة أهل البيت عليهم السلام مرتبة روحيّة قبل أنْ يكون سلوكًا لسانيًّا، وهو مطابقة الظّاهر للباطن ومطابقة الباطن لأمر الله.

من هنا نفهم لماذا كان الصّدق أساسًا لصلاح كلّ شيء؛ فهو ليس مجرّد عمل منفصل عن بقيّة الأفعال، بل هو حالة نفسية متكاملة إذا استقرت في الإنسان استقامت بها جميع تصرّفاته، فالشّخص الصّادق يظهر صدقه في نيّته وعزيمته قبل البدء، وفي قوله حين يتكلّم، وفي فعله حين يعمل، وحتّى في امتناعه وتركه للأمور، وهذه المستويات العالية من الصّدق هي التي ناقشها علماء التربية الروحيّة، واعتبروها درجات يصعد فيها الإنسان في طريقه إلى الله، حتّى إذا وصل إلى قمّتها أصبح من الصّادقين الذين مدحهم الله في القرآن الكريم بقوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ."الأحزاب: 23".

ولما كان الصدق بهذه السعة فإن آثاره لا تنحصر في دائرة العلاقات الاجتماعية، بل تمتدّ إلى داخل النّفس فتصلحها من الدّاخل، فالنّفس التي تعتاد الصّدق تألف الطمأنينة لأنّها لا تحمل همّ افتضاح سرّ ولا خوف انكشاف زيف، وتألف الشّجاعة لأنّها لا تخاف من مواجهة الحقيقة، وتألف الرّضا لأنّها تعرّف نفسها كما هي فلا تتكلّف ما ليس منها، وقد أشار الإمام عليه السلام إلى بعض هذه الآثار حين قال: «الصدق أمانة اللسان» "غرر الحكم ودرر الكلم، ص 218"، فجعل الصّدق صيانة للسان من الخيانة في نقل الأخبار.

الكذب بوصفه فسادًا

يسري كما يسري السمّ في الجسد

أمّا الشقّ الثّاني من الكلمة فهو أشدّ وقعًا في النّفس من الشقّ الأوّل؛ ذلك أنّ الإمام عليه السلام لم يكتف بأنْ يقول إنّ الكذب مذموم أو إنّه من الرّذائل، بل جعله «فساد كلّ شيء»، وهذه العبارة تحمل في طيّاتها تحذيرًا بالغًا من أنْ يستهان بالكذب ولو كان يسيرًا في نظر صاحبه، فإنّ الفساد إذا دخل في شيء لم يقف عند حدّ، بل يسري كما تسري النّار في الهشيم حتّى يأتي على الأخضر واليابس.

والكذب فساد للنّفس لأنّه يعودّها على مخالفة الواقع، فإذا مرنت النّفس على ذلك صار الكذب لها طبعًا لا تكاد تنفك عنه حتّى في الأمور التي لا حاجة فيها إلى الكذب، وقد نبّه أمير المؤمنين عليه السلام إلى هذا المعنى في موضع آخر حين وصف الكذب بأنّه «شر الأخلاق»، فقال عليه السلام: «شرّ الأخلاق الكذب والنّفاق» "غرر الحكم ودرر الكلم، ص 568"، وهو وصف في غاية الدقّة لأنّه جعل الكذب في المرتبة الأدنى من مراتب الأخلاق الرّديئة، مما يعني أنّه أصل الشّرور وينبوعها الذي تتفرّع منه سائر الرّذائل.

فإذا تأمّلنا في الرّذائل الكبرى وجدنا أنّها لا تقوم إلّا بالكذب في وجه من وجوهها؛ فالنّفاق كذب بين الظّاهر والباطن، والغشّ كذب في المعاملة، والخيانة كذب في العهد، والغيبة في كثير من صورها ضرب من الكذب حين يضخّم فيها ما لا يستحق التّضخيم، والبهتان كذب صريح بلا مواربة، والفرية كذب يلبس ثوب الحقيقة، وهكذا يظهر أنّ الكذب ليس رذيلة واحدة في عرض سائر الرّذائل، بل هو الجذر الذي تتغذى منه الرّذائل جميعًا، وإذا قطع هذا الجذر ذبلت الفروع من تلقاء نفسها.

والكذب فساد للمجتمع لأنّه ينخر في الأساس الذي تقوم عليه العلاقات الإنسانيّة، وهو الثقة، فالمجتمع الذي يشيع فيه الكذب مجتمع لا تستقر فيه معاملة، ولا يوثق فيه بعقد، ولا يطمأنّ فيه إلى شهادة، ولا يصدق فيه خبر، وقد نبّه القرآن الكريم إلى خطر هذه الحال حين أمر بالتبيّن عند مجيء الفاسق بنبأ، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا، "الحجرات: 6"، وهذا التبيّن إنّما شرّع لأنّ الفاسق قد اعتاد الكذب فلا يقبل خبره إلّا بعد التحقّق، وهو حكم يكشف عن حجم الفساد الذي يلحقه الكذب ببنية التّواصل بين النّاس.

كيف يكون الصّدق

صلاحًا لكلّ شيءٍ في الواقع العمليّ

لعل من أعظم ما يستوقف القارئ في هذه الكلمة أنّه لا يجد ميدانًا من ميادين الحياة إلّا وتثبت فيه هذه القاعدة صدقها بذاتها، فإذا نظرنا إلى ميدان العلم وجدنا أنّ العلم لا يقوم إلّا على الصّدق في نقل المعلومة وصدق الرّواية عن أهلها وصدق الاستقراء للظّواهر، ولو أنّ العلماء استباحوا الكذب في نقل نتائج تجاربهم لانهارت المعرفة البشريّة من أساسها ولم يعد يبنى على قول قول، وهذا ما جعل علماء الحديث يشدّدون في اشتراط العدالة والصّدق في الرّاوي، حتّى إنّهم يردّون خبر من عرف بالكذب ولو مرّة واحدة، لأنّهم أدركوا أنّ العلم الدّيني لا يستقيم إلّا على أرضية صلبة من الصّدق.

وإذا نظرنا إلى ميدان الاقتصاد وجدنا أنّ التّجارة لا تُبارَك إلّا بالصّدق، فالبائع الصّادق في وصف سلعته يكسب ثقة زبائنه فتنمو تجارته، والبائع الكاذب قد يربح في المرّة الأولى، ولكنّه يخسر في المآل لأنّ النّاس لا يعودون إليه.

وإذا نظرنا إلى ميدان الحكم والسّياسة وجدنا أنّ الحاكم الصّادق مع رعيّته يكسب ولاءها ويوجهها إلى الخير بأيسر سبيل، والحاكم الكاذب عليها يفقد شرعيّته في وجدانها ولو استمر في السّلطة بقوّة السّيف، وقد كان أمير المؤمنين n في سيرته أنموذجًا فريدًا في الصّدق مع الرّعية، حتّى إنّه لم يُداهن في حقّ ولم يُوارب في موقف.

وإذا نظرنا إلى ميدان الأسرة وجدنا أنّ الحياة الزّوجية لا تدوم على الكذب، فإنّ الزّوجين إذا تعامل كلّ منهما مع الآخر بالصّدق نمت المودة بينهما وترسخت الثّقة، وإذا دخل الكذب بينهما ولو في أمر يسير بدأ التصدّع يسري في بنيان العلاقة حتّى ينهدم من غير أنْ يشعر أحدهما بالسبب المباشر للانهيار، والأبناء في هذه الأسرة لا يتعلّمون الصّدق من مواعظ الآباء بقدر ما يتعلمونه من رؤيتهم للآباء صادقين في تعاملهم، فإنّ التربية بالقدوة أبلغ من التربية بالكلام.

الصّدقُ في مقام العبادة ومعرفة الله

يبلغ الصّدق ذروته حين ينتقل من كونه فضيلة اجتماعيّة إلى كونه حالًا روحيّة في التّعامل مع الله سبحانه، فالإنسان الصّادق في عبادته هو الذي يقف بين يدي ربّه كما هو بلا تكلّف ولا تصنّع، لا يظهر من الخشوع ما ليس في قلبه، ولا يدّعي من المقامات ما لم يبلغها، وقد أشار أمير المؤمنين عليه السلام إلى هذا المعنى في مواضع من كلامه، فوصف المتقين بأنّهم «صحبوا الدّنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالمحل الأعلى» "الخصال، ص 187"، وهذا التعليق لا يكون إلّا مع صدق التوجّه الذي لا يشوبه رياء ولا سمعة.

وفي هذا الأفق يتجلى معنى قول الإمام عليه السلام إنّ الصّدق صلاح كلّ شيء؛ لأنّ العبادة إذا صلحت بالصّدق صلح بها كلّ شيء في حياة العابد، إذ العبادة الصّادقة تُصلح القلب، والقلب إذا صلح صلح به الجسد كلّه، ومن هنا كان الصّدق منزلة من منازل السّالكين لا يتجاوزها العارف إلى ما بعدها إلّا بعد أنْ يستقرّ فيها، ولذلك جعله علماء الأخلاق من أوائل المنازل التي يجب على المبتدئ في طريق الله أنْ يُحكمها قبل أنْ يترقّى إلى ما فوقها.

وأمّا الكذب في هذا الميدان فهو أعظم الفساد على الإطلاق؛ لأنّه يقلب العبادة إلى ضّدها فتصير حجابًا بين العبد وربه بدلًا من أنْ تكون سبيلًا إليه، فالمصلي الذي يُطيل صلاته لأجل النّاس يجد في يوم القيامة صلاته هباء منثورًا، والمنفق الذي يمنّ بعطائه يجد صدقته كصفوان عليه تراب أصابه وابل فتركه صلدًا، كما وصف القرآن الكريم، وهذه كلّها صور من الكذب الباطني الذي يُفسد العمل من داخله وإنْ بدا في ظاهره صحيحًا.

الصّدقُ والكذبُ في ميزان العاقبة

ومما يزيد هذه الكلمة عمقًا أنّها لا تنظر إلى الصّدق والكذب من زاوية اللحظة الرّاهنة فحسب، بل تنظر إليهما من زاوية العاقبة والمآل، فالصّادق قد يخسر في اللحظة الحاضرة لأنّه لم يُداهن ولم يُوارب، ولكنّه يربح في المآل لأنّ النّاس يثقون به فيُقبلون عليه، ولأنّ الله سبحانه يُبارِك له في عمله فيبلغ به من الخير ما لا يبلغه غيره بألف حيلة، والكاذب قد يربح في اللحظة الحاضرة لأنّه استغلّ ثقة النّاس به فأخذ منهم ما ليس له، ولكنّه يخسر في المآل لأنّ الحقيقة لا بد أنْ تنكشف، ولأنّ النّاس إذا انكشف لهم أمره لم يعودوا يثقون به في شيء.

وقد بيّن أمير المؤمنين عليه السلام هذه الحقيقة في قوله: «وإنّ الصّادق على شرف منجاة وكرامة، والكاذب على شفا مهواة وهلكة» "تحف العقول، ص 151"، وهذه الصّورة البلاغية تجعل الصّادق واقفًا على حافّة النّجاة يوشك أنْ ينزل منها إلى الكرامة، وتجعل الكاذب واقفًا على حافّة الفضيحة يوشك أنْ ينزل منها إلى الهلاك، وفي هذه المقابلة درس بليغ في أنّ الصّدق والكذب ليسا مجرّد حالتين نفسيتين، بل هما طريقان يُفضي كلّ منهما إلى نهاية مختلفة اختلافًا جذريًّا.

علاجُ الكذب وطريقُ التخلّص منه

لما كان الكذب داء كسائر الأدواء التي تصيب النّفس، فإنّ له علاجًا كما لكلّ داء علاج، وقد أرشد أعلام الأخلاق إلى طرق متعدّدة للخلاص منه، بعضها يتعلّق بإصلاح التصوّر الذّهني عن الكذب نفسه، وبعضها يتعلّق بتربية النّفس وتعويدها على خلاف ما ألفت، وبعضها يتعلّق بالبيئة التي يعيش فيها الإنسان والصّحبة التي يخالطها.

وأوّل ما ينبغي أنْ يبدأ به من أراد التخلّص من الكذب هو أنْ يعرف من أين جاءه الكذب، فإنّ الأمراض لا تُعالَج إلّا بعد تشخيصها ومعرفة أسبابها، فالكذب لا ينبثق من فراغ، بل له جذور ودوافع متعدّدة تختلف من شخص إلى آخر، فبعض النّاس يكذب خوفًا من فوت مصلحة يظن أنّه لا يُدركها إلّا بالكذب، وبعضهم يكذب خوفًا من عقوبة يتوقّعها إنْ قال الصّدق، وبعضهم يكذب طلبًا لمكانة في نفوس النّاس يظن أنّه لا يبلغها بحقيقته فيلجأ إلى تزييف نفسه، وبعضهم يكذب لضعف في شخصيّته يجعله لا يستطيع مواجهة الحقيقة فيلوذ بالكذب فرارًا منها، وبعضهم يكذب عادة ألفها منذ الصّغر من دون أن يكون له في الكذبة مصلحة أو غاية، فمن أراد أنْ يعالج نفسه فليبحث عن الدّافع الحقيقي الذي يدفعه إلى الكذب، فإذا عرفه استطاع أنْ يُعالجه من جذره لا من فرعه.

فإنْ كان الدّافع خوفًا من فوت مصلحة، فليعلم أنّ ما كُتب له من الرّزق سيأتيه بالصّدق كما يأتيه بالكذب، وأنّ الله سبحانه لم يجعل في المعصية رزقًا، وأنّ ما يظنّه مصلحة يجلبها الكذب ليس في الحقيقة إلّا خسارة في الدّنيا والآخرة، وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام في هذا المعنى: «لا يجد عبد طعم الايمان حتّى يترك الكذب هزله وجده» "الكافي 2/340"، وهذه الكلمة تدلّ على أنّ الكذب ولو كان يجلب مصلحة ظاهرة فإنّه يحرم صاحبه من طعم الإيمان الذي هو أعظم مصلحة في الوجود.

وإنْ كان الدّافع خوفًا من عقوبة، فليعلم أنّ الكذب إنْ ستر عقوبة واحدة جلب عقوبات متعدّدة، فإنّ الكذبة الواحدة تحتاج إلى كذبات كثيرة لتغطيتها، وكلّ كذبة منها معرّضة للانكشاف، فإذا انكشفت كذبة منها انكشف البناء كلّه فوقعت العقوبة مضاعفة بقدر ما تراكم من الكذب، والأولى بالعاقل أنْ يواجه الحقيقة في بدايتها فيحتمل عقوبة صغيرة بدلًا من أنْ يؤجّلها فتكبر مع الأيام.

وإنْ كان الدّافع طلبًا للمكانة في نفوس النّاس، فليعلم أنّ المكانة المبنيّة على الكذب كالبناء المشيّد على الرّمل، لا يلبث أنْ ينهار عند أوّل ريح تهب عليه، وأنّ المكانة الحقيقيّة إنّما تُبنى على ما في الإنسان من فضائل ومناقب حقيقيّة يعرفها النّاس منه بالتجربة لا بالادّعاء، ومن أراد أنْ يرتفع في أعين النّاس فليرتفع بعمله الصّادق لا بلسانه الكاذب، فإنّ الأوّل يدوم والثّاني يزول.

ثمّ إنّ من أنجع سبل العلاج استحضار عاقبة الكذب في الدّنيا والآخرة، وذلك بأن يوطّن الإنسان نفسه على أنّ كلّ كذبة يقولها مسجلة عليه، وأنّه سيقف بين يدي الله سبحانه يوم القيامة فيُسأل عن كلّ كلمة نطق بها في الدّنيا، فإذا رسخ هذا المعنى في القلب صار الإنسان يهاب الكذب كما يهاب النّار، لأنّه يعلم أنّ الكذب من موجبات النّار، كما ورد ذلك في روايات أهل البيت عليهم السلام، وقد ورد عن الإمام الباقر عليه السلام قوله: «إنّ الكذب هو خراب الايمان»، "الكافي 2/339"، وهذه الكلمة تكشف عن أنّ الكذب ليس ذنبًا كسائر الذّنوب بل هو معول يهدم الإيمان من أصله.

ومن الوسائل التي لا يستغني عنها من أراد التخلّص من الكذب مصاحبة الصّادقين، فإنّ الصّحبة لها أثر عظيم في تشكيل أخلاق الإنسان، وقد قيل قديمًا: الصّاحب ساحب، بمعنى أنّ الإنسان لا بدّ أنْ ينجذب إلى ما عليه صاحبه من خير أو شر، فإذا خالط الإنسان قومًا يعتادون الصّدق استحيا أنْ يكذب بينهم، فإذا استحيا مرّة بعد مرّة صار الصّدق له عادة كما كان الكذب من قبل عادة، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى حين أمر بمصاحبة الصّادقين في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ"التوبة: 119"، فجعل المعيّة مع الصّادقين قرينة للتّقوى، مما يدلّ على أنّ التّقوى لا تكتمل إلّا بهذه المعيّة.

ومن الوسائل التي أرشد إليها أهل المعرفة ما يُسمى بالتورية، وهي أنْ يقول الإنسان كلامًا يحتمل معنيين، أحدهما ظاهر يفهمه السّامع، ولكنّه ليس مقصودًا للمتكلّم، والآخر خفيّ يقصده المتكلّم، ولكنّه لا يظهر للسّامع، فهذه التورية إذا كانت في موضع حاجة يُتّقى بها الوقوع في الحرام أو الوقوع في المفسدة، فإنّها تُجزئ عن الكذب ولا تدخل في عموم قول الإمام عليه السلام: «الكذب فساد كلّ شيء»، لأنّ التورية ليست كذبًا بل هي إخفاء لبعض الحقيقة في ثوب من ألفاظ صحيحة في نفسها.

ومن الوسائل التي لا يستهان بها في هذا الموضوع الابتعاد عن المواقف التي تدفع إلى الكذب، فإنّ الوقاية خير من العلاج، فمن كان يعلم من نفسه أنّه إذا سُئل عن أمر معين كذب فيه، فليجتنب الدّخول في المواقف التي يُسأل فيها عن ذلك الأمر، فإنّ الاجتناب أيسر من مجاهدة النّفس في اللحظة التي يكون فيها اللسان متأهبًا للكذب ضغطًا من الظّروف، ومن كان يعلم أنّ صديقًا معيّنًا يستدرجه إلى الكذب فليقلل من مجالسته، ومن كان يعلم أنّ حرفة معينة لا تقوم عادة إلّا بالكذب فليبحث عن حرفة غيرها، فإنّ الحفاظ على الصّدق أهم من الحفاظ على المكاسب الدّنيويّة.

ثمّ إنّ من أعظم ما يعين على التخلّص من الكذب استحضار عظمة الله سبحانه ومراقبته في السرّ والعلانية، فإنّ الإنسان إذا استشعر أنّ الله يسمعه ويراه في كلّ لحظة استحيا أنْ يكذب بحضرته، كما يستحيي أن يكذب بحضرة من يعظّمه من النّاس، وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام: «اتقوا معاصي الله في الخلوات فإن الشاهد هو الحاكم» "نهج البلاغة، ص 532"، وهذه الكلمة تذكر الإنسان بأنّ الله سبحانه شاهد على كلّ كلمة ينطق بها، وأنّه سبحانه حاكم عليها يوم القيامة، فمن استقر هذا المعنى في قلبه سلم لسانه من الكذب بغير حاجة إلى مجاهدة كبيرة.

وأخيرًا إذا عدنا إلى قول أمير المؤمنين عليه السلام: «الصّدق صلاح كلّ شيء، والكذب فساد كلّ شيء»، وجدنا أنّه دستور حياتي متكامل، ومنهج للسّلوك في كلّ ميدان، فالإنسان الذي يستقرّ في نفسه أنّ الصّدق صلاح لكلّ شيء يجد في هذه القناعة ما يكفيه من الحوافز ليتمسك بالصّدق ولو كلّفه ما كلّفه، ويجد فيها ما يكفيه من الرّوادع ليجتنب الكذب ولو أغراه ما أغراه.

فحقّ على من قرأ هذا القول ووعى معناه أنْ يجعله ميزانًا يزن به أعماله وأقواله ونياته، فإنّ وجد في نفسه صدقًا حمد الله عليه وسأله المزيد، وإنْ وجد فيها شيئًا من الكذب ولو خفيًّا بادر إلى إصلاحه قبل أنْ يستفحل، فإنّ الكذب كالمرض إذا أُهمل في بدايته صعب علاجه في نهايته، والصّدق كالغرس إذا تُعوهد بالسّقي أثمر، وإذا أُهمل جف.

 
 
أضف تعليقاً
الاسم
البريد الإلكتروني
التعليق
من
أرقام التأكيد Security Image
 
 
جميع الحقوق محفوظة لموقع روضة الفكر © 2026م