ثلاثية السّعادة
الشيخ حسن عبد الله العجمي
عن الإمام الصّّادق عليه السّلام: "من صدق لسانه زكا عمله، ومن حسنت نيته زاد الله في رزقه، ومن حسن بره بأهله زاد الله في عمره". (الخصال، ص 88).
ثلاثة أبواب فتحها الإمام عليه السّلام لنا للسّعادة في الدّنيا والآخرة، فتعال معي أيّها القارئ المحترم ندخل هذه الأبواب بابًا بابًا، نتجوّل في رحابها، ونقطف من ثمارها ما يحيي قلوبنا الميتة، وينير دروبنا المظلمة.
-1-
حين يصدق اللسان.. يزكو العمل
الصّدق ليس مجرد أنْ لا تكذب في الأخبار، بل هو منظومة متكاملة من السّلوك، فهو أنْ تنطق بالحقّ ولو على نفسك، فلا تجمّل فعلًا قبيحًا فعلته، ولا تنسب لنفسك خيرًا لم تفعله، وهو أنْ تفي بوعدك، فإذا قلت سآتي أتيت، وإذا قلت سأدفع دفعت، فلا تكون من أولئك الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله: "آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان" (سنن الترمذي 4/130)، وهو أنْ تنصح بصدق، فلا تجامل صديقك على حساب الحقّ، ولا تغرقه في بحر من الإطراء الكاذب وأنت ترى سفينته تغرق.
والصّدق - وإنْ بدا ثقيلًا في البداية- هو في حقيقته أخفّ ما يحمله الإنسان، لأنّ الكاذب يعيش في توتر دائم، يخاف أنْ تنكشف أكاذيبه، يحاول أنْ يتذكّر ماذا قال لكلّ شخص لئلا يتناقض، يضيف كذبة فوق كذبة حتّى يبني قصرًا من الوهم سرعان ما ينهار فوق رأسه، أمّا الصّادق، فيمشي على الأرض بقلب خفيف، ينام نومًا هنيئًا، يقول كلمته مرّة واحدة ولا يحتاج إلى تكرار التّفسير.
وإذا صدق اللسان، صدقت معه الأعضاء كلّها، فالعين تنظر إلى ما يحل، واليد تمتدّ إلى ما يطيب، والقدم تسعى إلى ما يرضي الله، وحينئذ يزكو العمل، أيْ ينمو ويبارك ويُقبل عند الله، كلمة "زكا" في اللغة العربية كلمة عميقة، تجمع بين معاني النّمو والطّهارة والبركة، فيكون عملك القليل كثيرًا في الميزان، ويقبل عند الله ما قد لا يقبله من غيرك.
وقد كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام يقول: "الصّدق صلاح كلّ شيء، والكذب فساد كلّ شيء" (ميزان الحكمة 2/1572)، وفي حديث عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله أنّه قال: "عليكم بالصدق، فإنّ الصّدق يهدي إلى البر، وإنّ البرّ يهدي إلى الجنّة" (ميزان الحكمة 2/1578)، فالصّدق إذًا ليس فضيلة مجرّدة، بل هو طريق، وكلّما سار الإنسان فيه خطوة، اقترب من الجنّة خطوة. فإنْ أردّت -أيّها المؤمن- أنْ تزكو أعمالك، فابدأ من لسانك، راقب كلّ كلمة تخرج منه، توقف ثانيتين قبل أنْ تتكلّم، واسأل نفسك: هل ما سأقوله صدق؟، إنْ اكتشفت أنّك كذبت، فعد فورًا وصحح، فإنّ الاعتراف بالخطأ علامة صدق في ذاته، فادع الله كما دعا الأنبياء: ﴿وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ (الشعراء: 84)، فإنّ الذي علّم الأنبياء هذا الدّعاء، يعلّمنا أنّ الصّدق نعمة تطلب من الله، لا تكتسب بالعزيمة الذاتيّة وحدها.
-2-
حين تحسن النية.. يتدفق الرزق
ننتقل من الظّاهر إلى الباطن، من اللسان إلى القلب، من الكلمة إلى النيّة، فالنيّة روح العمل، والعمل بلا نيّة جسد هامد، كم من رجلين قاما إلى الصّلاة في صف واحد، فخرج أحدهما بكنز من الحسنات، وخرج الآخر بإثم ثقيل، والفرق بينهما لم يكن في عدد الرّكعات ولا في طول السّجود، بل في النيّة وحدها، الأوّل نوى الصّلاة لله، والثّاني نواها ليقال عنه "ما أتقاه"، فالفعل واحد، والثّمرة مختلفة كاختلاف السّماء عن الأرض.
والإمام الصّادق عليه السّلام في هذا المقطع من الحديث، يكشف لنا سرًّا يخفى على كثير من النّاس، وهو أنّ مفتاح الرّزق ليس فقط في الجدّ والاجتهاد، وليس فقط في رأس المال والذّكاء التّجاري، بل في القلب أوّلًا، فمن طاب قلبه طاب رزقه، ومن خبثت نيّته ضاق عليه ما رزقه الله.
ولكن، متى تكون النيّة حسنة؟ تكون حسنة حين تنوي بكلّ عمل تفعله نيّات خيّرة، تذهب إلى عملك لا لتجمع المال فحسب، بل لتعفّ نفسك عن سؤال النّاس، ولتطعم زوجك وولدك، ولتنفع المجتمع بخدمتك، ولتؤدّي ما عليك من واجب تجاه الأمّة، هكذا تحوّل الوظيفة العاديّة إلى عبادة من أعظم العبادات، تتعلّم لا لتتفاخر بشهاداتك، بل لتنفع النّاس بعلمك، فيكون كلّ كتاب تقرؤه عبادة، تتزوّج لا لمجرّد إشباع شهوة، بل لتبني بيتًا صالحًا تخرج منه ذريّة تعبد الله، فيكون كلّ يوم من زواجك عبادة.
ومن النيّة الحسنة أيضًا أنْ يكون قلبك أبيض تجاه النّاس، لا تحقد على أحد، ولا تحسد أحدًا على نعمة ساقها الله إليه، ولا تتمنّى لأحد سوءا، هذا القلب الأبيض هو الذي تنزل عليه البركات من السّماء.
والرّزق ليس فقط ما في الجيب من نقود، كم هو ضيّق فهمنا للرّزق؟ الرّزق هو كلّ خير يصلك في حياتك، صحّة في جسدك، عافية في أهلك، أولاد بررة، زوجة صالحة، أصدقاء أوفياء، سمعة طيّبة، علم نافع، إيمان راسخ، راحة بال، نوم هنيء، فرص في الحياة تأتيك من حيث لا تحتسب، كلّ ذلك رزق، بل كلّ ذلك أعظم من المال بكثير.
وقد يحرم الإنسان من بعض هذه الأرزاق وعنده مال كثير، فيكون فقيرًا في حقيقته وإنْ بدا في عين النّاس غنيًّا، وقد يعطي الله العبد مالًا قليلًا، لكنّه يبارك له فيه، فيكون أغنى من أصحاب الملايين، والذي يحدّد ذلك في كثير من الأحيان هو النيّة.
تأمّل تاجرين في سوق واحد، يبيعان نفس البضاعة بنفس الأسعار، الأوّل يستقبل كلّ زبون بفكرة واحدة: كيف أستخرج من جيبه أكبر مبلغ ممكن؟، والثّاني يستقبله بفكرة مختلفة: كيف أقدّم لهذا الإنسان بضاعة جيّدة بسعر منصف، فينفعه الله بي وينفعني به؟، تمرّ السّنون، فيرى الأوّل بضاعته تكسد، وزبائنه ينفرون منه، وهمومه تتراكم، ويرى الثّاني محلّه يزدحم بالنّاس، وسمعته تنتشر، وبركة الله تهبط على ماله.
والفرق بينهما؟ لم يكن في الذّكاء، ولا في الجهد، ولا في الحظ، الفرق كان في تلك الفكرة الصّغيرة التي تنبت في القلب قبل أنْ تتحرّك اليد.
لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "إنّما الأعمال بالنيّات، وإنّما لأمرئ ما نوى" (وسائل الشيعة 1/34)، وقال صلى الله عليه وآله أيضًا: "نية المؤمن خير من عمله" (الكافي 2/84)، لأنّ النيّة قد تبلغ ما لا يبلغه العمل، فقد ينوي الإنسان خيرًا عظيمًا، فيعجز عن تنفيذه، فيكتب له أجر النيّة كأنّه فعله، وقد يفعل أعمالًا كثيرة، لكنّ إذا فسدت النيّة، ذهبت هباءً منثورًا.
وقد وعد الله سبحانه عباده المتقين، - وأهل النيات الحسنة في مقدمتهم - بأن يفتح لهم أبواب الرزق من حيث لا يعلمون، فقال: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (الطلاق: 2-3)، من حيث لا يحتسب، من أبواب ما خطرت له على بال، هكذا يكرّم الله أولياءه، فيسوق إليهم الرّزق وهم في بيوتهم، وييسّر لهم الأمور وهم نائمون، ويسخّر لهم النّاس وهم لا يدرون.
-3-
حين يحسن البر بالأهل.. يطول العمر
الكثيرون منا يفهمون أهمية الصدق، ويدركون قيمة النية، لكنهم يغفلون عن أن تعاملهم مع أهلهم هو الميدان الحقيقي لتطبيق دينهم.
كثيرون نراهم في المساجد متهجّدين، وفي المجالس متّعظين، وفي العمل متقنين، لكنّهم إذا دخلوا بيوتهم تحوّلوا إلى وحوش كاسرة، يعبسون في وجوه أهليهم، يرفعون أصواتهم على زوجاتهم، ينهرون أولادهم، يتجاهلون والديهم، والإمام الصّادق عليه السّلام في هذا المقطع من الحديث، يكسر هذا النّمط، ويذكّرنا بأنّ ميزان الإيمان الحقيقي يظهر في البيت، لا في الشّارع.
ومن هم الأهل؟ كلمة "أهل" في الحديث الشّريف كلمة واسعة جدًّا، تشمل دوائر متعدّدة من القرابة، تبدأ بالوالدين اللذين هما أعظم النّاس حقًّا عليك بعد الله، ثمّ الزّوج أوْ الزّوجة الذي اختاره الله لك شريك حياتك، ثمّ الأولاد الذين هم قطعة من قلبك وأمانة في عنقك، ثمّ الإخوة والأخوات شركاء الطّفولة وذكريات العمر، ثمّ الأرحام من أعمام وأخوال وأبناء عمومة وأبناء خؤولة.
أمّا البر، فكلمة جامعة لكلّ خير، البر بالقلب أنْ تحبّهم وتتمنّى لهم الخير، تحزن لحزنهم، تفرح لفرحهم، تدعو لهم في خلواتك، والبرّ باللسان أنْ تخاطبهم بكلمة طيبة، تشكرهم على ما يفعلون، تعتذر إذا أخطأت، تنصت إذا تكلّموا، والبرّ بالفعل أنْ تزورهم، تخدمهم، تلبّي حاجاتهم، تكرّمهم بالهدايا، تحضر مناسباتهم، والبرّ بالمال أنْ تنفق عليهم إذا احتاجوا، تعينهم في الشّدائد، تسدّد ديونهم إنْ استطعت، والبرّ بالستر أنْ تستر عيوبهم، لا تفضحهم بين النّاس، تدافع عنهم في غيابهم.
وعلى رأس قائمة البرّ، يأتي برّ الوالدين، فالأمّ التي حملتك تسعة أشهر وهنًا على وهن، التي سهرت لتنام، وجاعت لتشبع، وتعبت لترتاح، والأب الذي أفنى عمره في الكدح من أجلك، الذي بنى لك مستقبلًا بدمائه وعرقه، هذان لا يمكن أنْ توفيهما حقّهما مهما فعلت، لذلك قرن الله طاعتهما بطاعته، فقال:﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (الإسراء: 23)، وحذّر من أبسط صور العقوق فقال: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ (نفس المصدر السابق)، كلمة "أف" وهي حرفان فقط، نهى الله عنها، فما بالك بما هو أكبر من ذلك من رفع الصّوت، والإهمال، والتّجاهل، والتّأفف من خدمتهما؟
ومن البرّ بالأهل أيضًا حسن العشرة مع الزّوجة، فكثير من الرّجال يظنّون أنّ البرّ مقصور على الوالدين، فيحسنون إلى أمّهاتهم ويسيئون إلى زوجاتهم، وهذا فهم معكوس، الزّوجة جزء من الأهل، بل من أعظم الأهل، لأنّها رفيقة العمر، وأمّ الأولاد، وحارسة البيت، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله:"خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي" (من لا يحضره الفقيه 3/555)، فإذا أردت أنْ تعرف مرتبتك في الخيريّة، فانظر إلى علاقتك بأهلك في البيت، لا إلى علاقتك بالنّاس في الخارج.
ومن البرّ تربية الأولاد، فهم أمانة في عنقك، ومسؤوليّة ستسأل عنها يوم القيامة، علّمهم القرآن، اغرس فيهم الأخلاق، اقض معهم وقتًا حقيقيًّا لا وقتًا مهدورًا أمام شاشة الهاتف والتّلفاز، كن قدوة لهم قبل أنْ تكون مربيًّا، فإنّ الأولاد يتعلّمون بالعين أكثر مما يتعلّمون بالأذن.
ومن البرّ صلة الأرحام، وهذه فريضة يتساهل فيها كثير من النّاس اليوم، ابن العم لا يعرف ابن عمّه، والخالة لا تزور أختها إلّا في الأعراس والمآتم، وقد قال الله سبحانه:﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ (النساء: 1)، فقرن الأرحام باسمه العظيم، تنبيهًا على علوّ شأنها، وقال النبي صلى الله عليه وآله: "ليس الواصل بالمكافئ ولكنّ الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها" (مسند الحميدي 2/271)، فالواصل الحقيقي هو الذي يصل من قطعه، لا الذي يكتفي بمقابلة الزّيارة بالزّيارة.
ولكن، ما العلاقة بين البرّ بالأهل وزيادة العمر؟ هذا سؤال يخطر في بال كلّ متأمّل، أليس العمر مكتوبًا منذ الأزل؟
قد تكون الزّيادة حقيقيّة في الأيام، فإنّ الله الكريم يكتب للعبد عمرين، عمرًا في علمه الأزلي، وعمرًا مشروطًا بأعماله، فمن برّ أهله أتمّ الله له عمره المشروط، ومن قطع أهله نقص من عمره ما نقص، وقد تكون الزّيادة في البركة، فيعيش الإنسان ستين سنة فينجز فيها ما ينجزه غيره في مئة، وقد تكون الزّيادة في الذّكر بعد الموت، فإنّ البارّ بأهله يبقى ذكره حيًّا، يدعو له أولاده، ويذكره النّاس بالخير، فكأنّه لم يمت، وقد تكون الزّيادة في نوعيّة الحياة، فإنّ العمر بدون راحة لا قيمة له، والذي يبرّ أهله يكون بيته جنّة صغيرة، فيعيش عمرًا سعيدًا، أمّا العاق فبيته جحيم حتّى لو طالت سنواته.
وقد قال الإمام الصّادق عليه السلام في حديث جامع: "صلة الأرحام تحسن الخلق، وتسمح الكف، وتطيب النفس، وتزيد في الرّزق، وتنسئ في الأجل" (الكافي 2/152)، خمس فوائد من فعل واحد، فهل بعد هذا تردّد؟
-4-
ثلاث جواهر في عقد واحد
تأمل معي - أيّها المؤمن - هذا الترتيب البديع الذي رتّبه الإمام الصّادق عليه السّلام لم يكن ترتيبًا اعتباطيًّا، بل ترتيبًا حكيمًا يبني الإنسان الكامل لبنة لبنة.
بدأ باللسان، وهو ظاهر الإنسان وأبرز ما يعرف به، فأمر بإصلاحه أوّلا، ثمّ انتقل إلى النيّة، وهي باطنه الذي لا يطلع عليه إلّا الله، فأمر بإصلاحها ثانيًا، ثمّ انتقل إلى التّعامل مع الأهل، وهو الميدان العملي الذي يجمع بين الظّاهر والباطن، ويختبر صدق الإنسان مع نفسه ومع الله، فأمر بإصلاحه ثالثًا.
كأنّ الإمام يقول لنا: ابدأ بإصلاح ما يخرج منك "لسانك"، ثمّ أصلح ما في داخلك "نيّتك"، ثمّ ابدأ بإصلاح علاقاتك من الأقرب إليك "أهلك"، هكذا يبنى الإنسان من الدّاخل والخارج، ومن الفرد إلى المجتمع.
والثّمار أيضًا متكاملة بشكل عجيب، زكاء العمل نجاح في علاقتك بربّك، وزيادة الرّزق نجاح في علاقتك بدنياك، وزيادة العمر نجاح في حياتك كلّها، فمن اجتمعت فيه هذه الثّلاث، فقد اجتمع له خير الدّنيا والآخرة، وحاز السّعادتين، وفاز فوزًا عظيمًا.