» برّ الوالدين من أكرم الطباع               » ثلاثية السّعادة               » من قواصم الظهر               » دور المال في فساد الإنسان (1)               » أهل البيت والقرآن الكريم               » الصّدق والكذب               » كلّا إنّها كلمة هو قائلها                » التربية بالقدوة الحسنة                » الشّباب ووقت الفراغ               » الإمام علي أعلم الأمّة               
 
القائمة الرئيسية
 
الرئيسية
مسائل وردود
المكتبة الصوتية
المكتبة المرئية
المكتبة المقروءة
المؤلفات
الأسرة والمجتمع
الأخلاق
بحوث ومقالات عامة
بحوث ومقالات عقائدية
بحوث ومقالات في رحاب أهل البيت
اتصل بنا
 
القائمة البريدية
 
محرك البحث
 
المتواجدون 0
زوار اليوم 4
عدد الزوار 44483
التعليقات 1
 
الأسرة والمجتمع
 
 
برّ الوالدين من أكرم الطباع
روضة الفكر - 2026/09/09 - [المشاهدات : 14]
 

 برّ الوالدين من أكرم الطباع

الشيخ حسن عبد الله العجمي

قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: "برّ الوالدين من أكرم الطباع" [ميزان الحكمة 4/3674].

قول أمير المؤمنين عليه السلام هذا يشكّل نظرة شاملة إلى علاقة الفرد بوالديه، وإلى طبيعة الأخلاق التي يُريدها الإسلام في الأبناء، وإلى المكانة التي يحتلها الأب والأم في بناء النّفس، والأسرة، والمجتمع.

فالإمام عليه السلام لم يذكر أنّ برّ الوالدين هو عمل صالح فقط، أوْ أنّه فرض وواجب عظيم فقط، على الرّغم من صحّة ذلك، وإنّما هو من أكرم الطباع. وهذا يعني أن البرّ خُلق دائم، وطبع كريم، وسمة واضحة في النّفس والسّلوك معًا.

وهذا الفهم ذو أهمية كبيرة، وذلك لأنّ الكثير من النّاس قد يقومون بأعمال خير متفرّقة، وقد يُقدّمون لوالديهم جزءًا من المال أوْ بعض الخدمات، ولكنّهم لا يصلون إلى حقيقة البرّ، لأنّ البرّ أوسع بكثير من ذلك.

فالبرّ يدخل في الكلمة، وفي نبرة الصّوت، وفي طريقة الجلوس، وفي درجة الصّبر، وفي مقدار الاحتمال، وفي حضور القلب، وفي حفظ الجميل، وفي سرعة المبادرة، وفي دوام الرّعاية، وفي استمرار الوفاء.

قد تجد ابنًا يُعطي، ولكنّ كلامه يجرح، وقد تجد من يُقدم الخدمة، ولكن يُشعر والديه أنّه مُتعب بسببهما، وقد تجد من يُنفق، ولكنّه بخيل بعاطفته ووقته، وكلّ هذا يُشير إلى أنّ معنى البرّ لا يُكتمل إلّا إذا تحوّل إلى خُلق راسخ، لا فعل مُتقطع.

لذا، فإنّ الحديث عن قول الأمير عليه السلام هذا ليس حديثًا عن مسألة جزئيّة، بل هو حديث عن مدرسة متكاملة في الأخلاق، إنّه حديث عن شخص يُدرك من أين بدأ، ومن قام برعايته وهو صغير، ومن سهرت من أجله الليالي، ومن بذل الأب مجهودًا لسنوات طويلة، ثمّ لا يُقابل كلّ ذلك بالنّسيان والجفاء، بل بالرّحمة والإحسان والوفاء.

وهذا هو الجانب الذي جعل برّ الوالدين من أكرم الطباع، لأنّ النّفس الكريمة لا تنسى الفضل، ولا تُنكر العطاء السّابق، ولا تُقابل الإحسان بالإهمال.

معنى البرّ في حياة الإنسان

البرّ في معناه الشامل هو مفهوم واسع يضم صورًا متعدّدة من الخير، فهو لا يقتصر على النّفقة، ولا على الزّيارة، ولا على الخدمة الظّاهرة فقط، بل يشمل كلّ ما يُدخل السّرور على الوالدين، ويُخفّف عنهما، ويُحافظ على كرامتهما، ويُؤدّي حقّهما، ويمنع عنهما الأذى ظاهرًا وباطنًا.

قد يكون البرّ في المال، وقد يكون في الكلام، وقد يكون في الجلوس، وقد يكون في الصبر، وقد يكون في حسن الاستماع، وقد يكون في المبادرة إلى الحاجة قبل السّؤال، وقد يكون في الصبر على إعادة كلامهما وطلباتهما عند الشيخوخة، وقد يكون في صيانة سمعة الوالدين، وقد يكون في الدّعاء لهما في حياتهما وبعد موتهما.

وعليه فالبرّ ليس أمرًا بسيطًا كما يُصوره البعض، إنّه يتطلّب قلبًا حيًا، ويقظة مستمرة، وإحساسًا دائمًا بأنّ للأب والأم حقًّا لا يُشبه حقوق الآخرين، فقد يُحسن الإنسان إلى صديق لأنّه وقف معه موقفًا إيجابيًّا، وقد يُحسن إلى جار لأنّه عاشره طويلًا، وقد يُحسن إلى معلّم لأنّه علّمه شيئًا نافعًا، ولكن فضل الوالدين أسبق وأعمق وأطول، فالأم لم تُقدم شيئًا قليلًا ثمّ انصرفت، بل قدّمت من جسدها وصحّتها وطمأنينتها وراحتها، والأب لم يُقدّم معروفًا محدودًا ثمّ انتهى، بل بنى ووفّر وحمى وسعى وصبر وتحمّل من أعباء الحياة ما لا يُدركه الابن إلّا إذا كبر ونظر إلى الحياة بعين أكثر هدوءًا.

فالبرّ يبدأ من الفهم قبل أنْ يبدأ من الفعل، ومن لم يفهم حقّ الوالدين قد يعتقد أنّه بارّ، وهو في الحقيقة لم يقترب إلّا من جزء من البرّ، وقد يعتقد أنّ إرساله أو إعطاءه للمال بين الحين والآخر كافٍ، أوْ أنّ مكالمة سريعة تُؤدّي الغرض، أوْ أنّ امتناعه عن الإهانة الصّريحة هو نهاية الأدب، ولكنّ النّصوص القرآنية وكلمات أهل البيت عليهم السلام تُعطي البرّ معنى أوسع بكثير، إنّها لا تُطالب من الابن أنْ يكون غير عاقّ فقط، بل تُطالبه بأنْ يكون محسنًا، كريمًا، رحيمًا، ليّن الجانب، كثير الوفاء، حاضر القلب.

وهذا الخُلق لا يعود نفعه على الوالدين فقط، بل على الابن نفسه أيضًا، فالشّخص الذي يعيش معنى البرّ يعيش معه معاني أخرى كثيرة: الشّكر، والتّواضع، والصّبر، والرّحمة، والحياء، وحسن المعاملة، والشّعور بالمسؤوليّة، فبرّ الوالدين يُنمي الابن من داخله، ويجعله أكثر هدوءًا، وأكثر رقّة في القلب، وأكثر إدراكًا لحقوق النّاس، وأبعد عن الأنانيّة والجفاء.

معنى الطبع الكريم في كلام الإمام علي عليه السلام

إنّ أمير المؤمنين عليه السلام لا يكتفي ببيان فضل البرّ، بل يُحدّد نوعه وموقعه من الأخلاق، حين تقول: "من أكرم الطباع"، قد يُقدم النّاس أعمالًا حسنة كثيرة، ولكنّ الأعمال شيء، والطّباع شيء آخر، فالعمل قد يحدث مرّة، أوْ قد يتم بتكلّف، أوْ بدافع مصلحة، أوْ تحت تأثير العادة، أوْ العرف، أوْ الخوف من حديث النّاس، أمّا الطّبع فهو الخُلق الذي يستقرّ في النّفس، حتّى يصبح السّلوك الحسن صادرًا عنه بسهولة واستمراريّة.

عندما يصبح برّ الوالدين طبعًا، لم يعد مرتبطًا بالمزاج، فلا يُصبح الإنسان بارًّا في يوم إذا كان سعيدًا، ثمّ قاسيًا في يوم آخر إذا كان مُتعبًا،  ولا يكون بارًّا أمام النّاس فقط، ثمّ جافًّا في منزله، ولا يُعطي إلّا عندما يُطلب منه، ثمّ يضيق إذا تكرّر الطلب، ولا يُحسن إلى والديه إلّا عندما يحتاج إليهما، ثمّ يتراجع برّه إذا استغنى عنهما، بل يصبح البرّ خُلقًا حاضرًا في كلّ حال، في وقت السّعة والضّيق، وفي حال الانشغال والفراغ، وفي أيّام الصحة وأيّام التعب، وهذه الدّرجة هي التي تجعل البرّ من الطباع لا من الأفعال العابرة.

ثمّ إنّ الإمام عليه السلام لم يقل من الطباع الحسنة فقط، بل قال من أكرم الطباع، والكرم هنا لا يقتصر على المال، بل في سعة النّفس، وشرف الخُلق، وحسن الأصل، وبعد الإنسان عن الضّيق الدّاخلي، فالجحود صفة ضيّقة، والبرّ صفة واسعة، ونسيان الجميل صفة سيئة، والوفاء به صفة كريمة، فإذا كان الإنسان قادرًا على رؤية تعب والديه الطّويل ثمّ يعيش كأنّ شيئًا لم يحدث، فهذا يُشير إلى قسوة في نفسه، أمّا إذا كان يحمل فضل الماضي في قلبه، ويُترجمه كلّ يوم إلى لطف وعطاء وصبر ورعاية، فهذه نفس كريمة حقًّا.

إنّ برّ الوالدين يُظهر حقيقة أخلاق الإنسان أكثر مما تُظهرها أحيانًا علاقات أخرى، لأنّ الكثير من النّاس يستطيعون التّظاهر بالحسنى أمام الغرباء، والتحكّم في تصرّفاتهم في التجمّعات العامّة، والظّهور بصورة حسنة مع الأصدقاء والزّملاء، ولكنّ المنزل هو المكان الذي تظهر فيه الطباع على حقيقتها، فأمام الأب والأم، يتجلّى الصبر الحقيقي أوْ عدمه، والرّحمة الحقيقيّة أوْ الجفاف، والتواضع الحقيقي أوْ التكبر، فلذلك كان برّ الوالدين من أكرم الطباع، لأنّه يُشير إلى أنّ الخير في الإنسان خُلق راسخ في داخله.

مكانة الوالدين في القرآن الكريم

وإذا أردنا أنْ نُدرك قيمة هذا الخُلق في ميزان الدّين، فلا بدّ أنْ نعود إلى القرآن الكريم، لأنّه هو الذي حدّد حقّ الوالدين في مكانته العالية، ومن أبرز الآيات في ذلك قوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}، ثمّ قوله سبحانه: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 23-24].

أوّل ما يلفت الانتباه في هذه الآيات أنّ الله سبحانه وتعالى ربط الإحسان إلى الوالدين بتوحيده وعبادته، وهذا يُشير إلى أنّ المسألة ليست قضيّة اجتماعيّة ثانويّة، بل هي من المعاني الجوهريّة التي أرادها الله من الإنسان المؤمن، فكما يعبد المؤمن ربّه ولا يُشرك به شيئًا، فكذلك يجب أنْ يكون في قلبه ولسانه وسلوكه مكان واضح لحقّ الوالدين.

ثمّ تأتي الدّقة المذهلة في التعبير القرآني: {فلا تقل لهما أف}، فلم يُبدأ القرآن الكريم بالنّهي عن الضرب أوْ السب أوْ القطيعة، على الرّغم من أنّ هذه كلّها محرمّة وإنّما بدأ بأقلّ كلمة تدل على الضيق والتضجّر، وهذا يُشير إلى أنّ معيار الأدب مع الوالدين مرتفع جدًّا، فالولد ليس ممنوعًا فقط من العقوق الكبير، بل ممنوع من أقلّ ما يُشير إلى الملل والضيق والتضجّر، وهذا وحده يُظهر لنا مدى أهميّة مراقبة الإنسان لنفسه في هذا الجانب، لأنّ الكثير من أشكال التقصير تحدث دون أنْ يُلاحظها الشّخص، في نبرة، أوْ في تنهيدة، أوْ في وجه عابس، أوْ في كلمة قصيرة يعتقد أنّها غير مهمّة ولكنّها مؤلمة للوالدين.

ثمّ قال سبحانه: {ولا تنهرهما}، والنّهر هنا هو الزّجر والغلظة، وهذه مرحلة ثانية بعد منع التأفف، فحتّى لو كان الابن مختلفًا مع والديه، أوْ مُتعبًا، أوْ في ضيق من أمر ما، لا يجوز له أنْ يُحوّل هذا الضيق إلى أسلوب خشن معهما.

ثمّ قال: {وقل لهما قولًا كريمًا}، وهنا انتقل النص من مجرّد المنع إلى البناء الإيجابي، فليس المطلوب أنْ يمنع الإنسان نفسه من السّوء فقط، بل أنْ يُقدّم الجميل أيضًا، فالقول الكريم ليس المراد به فقط الكلمات المهذّبة، بل يشمل طريقة العرض، وهدوء النّبرة، واختيار الألفاظ التي تُحافظ على كرامة الوالدين، وتُدخل عليهما الطمأنينة، وتُشعرهما بالتقدير والاحترام.

ثمّ تأتي الآية التي تُلامس القلب مباشرة: {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة}، وهذا التعبير يُصوّر معنى التواضع العملي، أيْ لا تقف مع والديك موقف المُتفضل، ولا موقف المُتضايق، ولا موقف المُتغطرس الذي يعتقد أنّه وصل إلى درجة من القوّة تجعله فوق الحاجة إلى التواضع لهما، بل اخفض جناحك لهما، واختر من الذّل ما كان نابعًا من الرّحمة والمحبّة والتوقير.

شرح أهل البيت عليهم السلام لمعنى الإحسان إلى الوالدين

وقد جاءت روايات أهل البيت عليهم السلام لتُفسر هذه الآيات تفسيرًا مُناسبًا لحياة الناس، ولتُوضح المعنى القرآني في التطبيق العملي، وممّا ورد في هذا الموضوع ما رواه الشيخ الكليني في الكافي عن الإمام الصّادق عليه السلام، عندما سُئل عن قوله تعالى: {وبالوالدين إحسانًا} فقال: "الإحسان أنْ تُحسن صحبتهما، وأن لا تُكلفهما أنْ يسألاك شيئًا مما يحتاجان إليه وإنْ كانا مستغنيين". [الكافي 2/157].

فالإحسان هنا ليس عاطفة فقط، بل سلوك مُنظّم له معالم واضحة، وأوّل هذه المعالم: حسن الصّحبة، وهذا تعبير واسع جدًّا، إذا أمعن الإنسان فيه طويلًا، أدرك أنّه يشمل جزءًا كبيرًا من البرّ، وحسن الصحبة يعني أنّْ تكون معاشرة الابن لوالديه مُريحة، لا شاقة، أيْ يعني أنْ يكون حضوره طمأنينة، وكلامه لطفًا، وقربه أنسًا، لا مصدر توتّر أوْ حرج، ويعني أنْ يعرف كيف يستمع، وكيف يجيب، وكيف يعتذر، وكيف يخدم، وكيف يتحكّم في نفسه إذا اشتدّ التعب أوْ كثرت الأعمال.

ثمّ تُذكر الرّواية أمرًا رفيعًا جدًّا: أنْ لا تُكلفهما أنْ يسألاك شيئًا، وهذه الجملة وحدها تفتح بابًا واسعًا للفهم، فالبرّ ليس أنْ تنتظر حتّى يطلب الأب أوْ الأم، ثمّ تُقرّر بعد ذلك هل تُعطي أوْ تتأخّر أوّ تتضجّر، البرّ الأسمى هو أنْ تستبق الحاجة، وأنْ تُدركها قبل أنْ تتحوّل إلى طلب.

وهذا هو الفارق بين من يُؤدّي جزءًا من الواجب، وبين من أصبح البرّ لديه خُلقًا عاليًا، فالأوّل ينتظر الطلب، والثّاني يُبادر، والأوّل يكتفي بالحدّ الأدنى، والثّاني يسعى إلى إدخال الطمأنينة إلى قلبي والديه، والأوّل قد يُعطي وهو يُدرك أنّه يفعل شيئًا يفوق ما يُطلب منه، والثّاني يُعطي وهو يُدرك أنّه لا يزال مُقصرًا أمام فضل عظيم لا يُمكن أنْ يُوفى، ومن هنا يتبيّن أنْ البر هو فهم دقيق للحق، ورهافة في الشّعور، وسرعة في المبادرة، ولطف في الأداء.

حقّ الأم وحقّ الأب في كلمات الإمام زين العابدين عليه السلام

من النّصوص التي لا يُمكن الاستغناء عنها في أيّ حديث جادّ حول برّ الوالدين ما جاء في رسالة الحقوق للإمام زين العابدين عليه السلام، فيقول في توضيح حقّ الأم: "وأمّا حقّ أمّك فأنْ تعلم أنّها حملتك حيث لا يحتمل أحد أحدًا، وأعطتك من ثمرة قلبها ما لا يعطي أحد أحدًا، ووقتك بجميع جوارحها، ولم تبال أنْ تجوع وتطعمك، وتعطش وتسقيك، وتعرى وتكسوك، وتضحى وتظلّك، وتهجر النّوم لأجلك، ووقتك الحرّ والبرد لتكون لها، فإنّك لا تطيق شكرها إلّا بعون الله وتوفيقه"، ثم يقول في حق الأب: "وأمّا حقّ أبيك فأنْ تعلم أنّه أصلك، وأنّه لولاه لم تكن، فمهما رأيت في نفسك ممّا يعجبك فاعلم أنّ أباك أصل النّعمة عليك فيه، فاحمد الله واشكره على قدر ذلك".

وهذا النّص من أروع النّصوص وأكثرها تأثيرًا، لأنّه لا يقتصر على الأمر بالبرّ، بل يُفسّر سبب البرّ تفسيرًا يُوقظ القلب من الغفلة، فالإنسان غالبًا ما يعتاد وجود والديه حتّى ينسى ضخامة ما قدمّاه له، فمع مرور الوقت، تتحوّل الألفة إلى أمر مُعتاد لا يُلاحظ، ثمّ يضعف في النّفس استحضار الحق، فجاء هذا النّص ليعيد الإنسان إلى البداية، إلى مرحلة الضّعف الأولى، إلى الحمل والولادة، والجوع والعطش، والسهر والتعب، والحماية والرعاية، وجاء كذلك ليُذكّره بأنّ أباه ليس رجل عادي في حياته فقط، بل هو أصل في وجوده، وأصل في ما ناله من تربية وستر ورعاية وتوجيه.

والتوسّع في حقّ الأم واضح في النّص، وهذا أمر طبيعي؛ لأنّ حملها وولادتها ورضاعها وسهرها على الطفل أمور لا يُمكن لأحد أن يُحيط بكميتها الكاملة، فالأم تُعطي ولدها في مراحل لا يُمكنه أنْ يردّ فيها شيئًا، ولا أنْ يشكرها، ولا أنْ يُدرك حجم ما يدور حوله، فهي تُعطيه من جسدها قبل أنْ تُعطيه من يدها، ومن صحتها قبل أنْ تُعطيه من وقتها، ومن راحتها قبل أنْ تُعطيه من كلامها، وعندما يكبر، قد ينسى هذه التراكمات من العطاء، فيأتي هذا النّص ليقول له بصراحة: ما فعلته أمّك أكبر من أنْ يُحصى، ولذلك لا يليق بك أنْ تُدرك نفسك إذا خدمت أوْ أنفقت أنّك بلغت حقّها.

أمّا حقّ الأب، فالنّص يُشير فيه إلى معنى عظيم، وهو معنى الأصل، فالأب هو الأصل الذي قام عليه وجود الابن في هذه الحياة من حيث النشأة والتربية والتوجيه والحماية وتوفير الأسباب، فكثير من الأبناء عندما يكبرون ويحصلون على مكانة أوْ علم أو سعة رزق، قد يُدركون أنفسهم وكأنّ ما هم فيه جاء من جهودهم وحدهم، فينسون سنوات التربية الطويلة، والحرص، والسعي، وتحمل الأعباء، فجاء النّص ليُصحح هذا الشّعور، ويقول للولد: إذا وجدت في نفسك شيئًا تعجب به، فلا تنسَ أنّ لأبيك نصيبًا من أصل هذه النّعمة عليك.

وهذا التذكير ذو أهميّة كبيرة في بناء البرّ؛ لأنّ الإنسان إذا تذكّر فضل والديه بهذه الطريقة، قلّل من المشقّة التي يواجهها في خدمتهما، فمن عرف كم تعبت الأم في طفولته، سهّل عليه أنْ يسهر من أجلها إذا مرضت، ومن عرف كم تحمّل الأب من الأعباء في شبابه وكهولته، لم يجد قضاء حاجاته في كبره حملًا ثقيلًا، لذلك، فإنّ النّص لا يُقدم فقط معلومات حول حقّ الوالدين، بل يُغيّر نظرة الإنسان إلى الخدمة ذاتها؛ فتُصبح لديه شرفًا، لا عبئًا، ووفاءً، لا ثقلًا.

صور البرّ العمليّة في الحياة اليومية

الحديث عن برّ الوالدين لا يكتمل إذا ظلّ عامًّا، لأنّ الكثير من النّاس يُقرّون بفضله من حيث المبدأ، لكنّهم يُقصّرون في تطبيقه على تفاصيل الحياة، لذلك، من الضّروري جدًّا أنْ نُوضح صور البرّ العمليّة، لأنّ هذه الصّور هي التي تُقرّب المقال من حياة النّاس، وتجعل الخُلق الذي يرشد إليه حديث الأمير عليه السلام مُمكن التّطبيق في كلّ يوم.

ومن أوّل صور البرّ، البرّ في الكلام، وهذا جانب واسع جدًّا، فليس كلّ من امتنع عن السبّ أوْ الإهانة بلغ القول الكريم، فالقول الكريم أوسع من ذلك، وهو أنْ تختار لوالديك ألطف العبارات، وأجملها وقعًا، وأبعدها عن الإشعار بالضيق، فإذا ناديت، ناديت بلطف، وإذا سألتك أمّك أجبت بهدوء، وإذا طلبت، لم تُشعرها أنّ طلبها ثقيل عليك، وإذا أخطأت في تقدير شيء، صححّت بأدب لا بحدّة، وإذا كان لديك رأي مخالف، وضحّت برفق، لا باستعلاء، والابن قد يقع في التقصير هنا دون أنْ يُدرك، حين يعتاد الرّد السّريع، أوْ التّضجّر، أوْ الاقتصار على كلمات جافة لا تُناسب مقام الوالدين.

ومن صور البرّ، البرّ في الجلوس والحضور، فقد يجلس الإنسان مع النّاس جلسة كاملة، بوجه بشوش، واستماع مُنتبه، وانتباه واضح، ثمّ إذا جلس مع والديه جلس بقلب غافل، أوْ بوجه بارد، أوْ بعين على الهاتف، وهذا من أشكال التّقصير الذي قد يُؤلم أكثر من بعض التقصير المادي، فالوالدان لا يُريدان فقط أنْ يكون ابنهما موجودًا في المكان، بل يُريدان أنْ يكون حاضر القلب، أنْ يستمع، ويهتّم، ويتفاعل، ويُظهر أنّ حديثهما عنده ذو قيمة، فكم من والدين يسعدان بجلسة هادئة أكثر مما يسعدان بأشياء كثيرة أخرى.

ومن صور البرّ، البرّ في السّؤال والمتابعة، لأنّ من العقوق الخفي أنْ يطول غياب السّؤال، أوْ أنْ يكون السّؤال آليًّا لا روح فيه، أوْ أنْ يقتصر على أوقات المصالح والمناسبات.

والبرّ يتطلّب أنْ يكون الابن مُتتبّعًا لأحوال والديه، سائلًا عن صحّتهما، مُدركًا لما يمرّ به كلّ واحد منهما، مُنتبهًا لتغيّر المزاج أوْ التّعب أوْ الحاجة، نعم ليس المطلوب أنْ يُصبح الإنسان مُعتمِدًا على العاطفة بلا تنظيم، بل المطلوب أنْ يكون للوالدين نصيب ثابت من اهتمامه.

ومن صور البرّ، البرّ في الخدمة، والخدمة ليست انتقاصًا من حقّ الابن، بل هي من كماله، فقد يُخجل بعض النّاس من خدمة والديهم في بعض الأمور، أوْ يعتقدون أنّ هذه الأعمال يقوم بها الخادم أوْ غيره، ولكنّ القلب البارّ لا يرى في خدمة والديه مهانة، بل يرى فيها شرفًا، فإذا احتاج الأب إلى مراجعة، أوْ احتاجت الأم إلى علاج، أوْ احتاج أحدهما إلى ترتيبات في المنزل، أوْ إلى من يُنجز له شأنًا من شؤونه، كان البرّ أنْ يُبادر الإنسان بنفسه قدر استطاعته، أوْ على الأقل أنْ يُشعر والديه أنّ أمرهما مُقدّم في قلبه، وأنّه يبحث لهما عن أفضل ما يُمكنه، لا عن أسرع ما يُخلصه من الطلب.

ومن صور البرّ، البرّ في المال، فالنّفقة عند الحاجة جانب واضح من جوانب البرّ، ولكنّ الجميل في هذا الجانب هو أنْ يُقدّم المال بطيب خاطر، وبدون منّة، وبدون إشعار الوالدين أنّهما سبب ضغط أوْ نقص في حياة الابن، فالعطاء الذي يصحبه جرح أوْ تضجّر قد يسدّ حاجة ماديّة، ولكنّه يفتح جرحًا معنويًّا، والبرّ الكامل هو أنْ يُعطى الوالدان ما يحتاجان إليه مع الكلمة الطيّبة، ومع إظهار الرّضا، ومع إزالة الحرج من نفسيهما.

ومن صور البرّ، هو البرّ في حفظ الكرامة، وهذه من أهم الصّور، لأنّ بعض النّاس قد يُنجز بعض حاجات والديه، لكنّه يفضح ضعفهما، أوْ يذكر طلباتهما أمام الآخرين بشكل يُشير إلى التضجّر، أوْ يشتكي منهما لزوجته أوْ أولاده أوْ أصدقائه بطريقة تُهين كرامتهما، وهذا من أشكال الإساءة الشّديدة، فالوالدان يحتاجان إلى من يحفظ سترهما، وهيبتهما، وقيمتهما في المنزل، لا إلى من يجعل منهما مادّة للشّكوى أوْ السخريّة أوْ التذمّر.

ومن صور البرّ، البرّ مع الوالدين أمام الزّوجة والأولاد، و هذا جانب مهم جدًّا؛ لأنّ بعض الأبناء أوْ البنات قد يكونون في الأصل مُحبين لوالديهم، ولكنّهم يضعفون تحت تأثير الضّغوط العائليّة، أوْ تحت تأثير الزّوج أوْ الزّوجة، فيبدأ التّوازن يختل، ثمّ يتراجع وجود الوالدين في حياتهم تدريجيًّا، والبرّ الحقيقي يتطلّب أنْ يبقى للوالدين مكانة واضحة لا تتأثّر بالضّغوط الصّغيرة، وأنْ لا يسمح الإنسان بأنْ يكون حسن معاملته لزوجه أوْ زوجته على حساب والديه، أوْ أنْ يبنى راحة المنزل الجديد على إهمال المنزل الأوّل الذي خرج منه.

العقوق الخفيّ الذي قد لا يُدركه الكثير من النّاس

الكثير من النّاس عندما يسمعون كلمة العقوق، يتجّه ذهنهم إلى الصّور الكبيرة الواضحة: السّب، والطّرد، والضّرب، والقطيعة، ورفع الصّوت الصّارخ، ونعم هذه صور بشعة بلا شك، ولكنّها ليست وحدها، فهناك عقوق خفيّ يتسلّل إلى حياة الكثير من النّاس وهم لا يُسمونه عقوقًا، على الرّغم من أنّه يُؤذي الوالدين أذى شديدًا، وقد يدوم تأثيره في القلب لسنوات طويلة.

من هذا العقوق الخفي، التّأفّف الدّائم، ليس التأفّف كلمة "أف" فقط، بل كلّ ما يُشابهها من تنهيدات الضّيق، وملامح الملل، والاستجابة الباردة، وتأخير الطّلب مع إظهار الثّقل، فقد يعتقد الإنسان أنّه لم يُخطئ لأنّه لم يسبّ ولم يصرخ، لكنّه في الحقيقة أرسل إلى قلبي والديه رسالة واضحة: أنّ وجودكما عبء، وأنّ طلبكما ثقيل، وأنّ راحتكما ليست أولويّة لدي، وهذا المعنى مُؤلم جدًّا للوالدين، وقد يكون في بعض الأحيان أشدّ من الحرمان المادّي.

ومن العقوق الخفي، التّجاهل، ومن أمثلته أن يحتاج الوالدان إلى الاهتمام فلا يجدانه، وأنْ يرسلا أوْ يتّصلا ثمّ يتأخّر الرّد بلا عذر، وأنْ يطول الغياب بلا سؤال، وأنْ يمرّ المرض أوْ التّعب أوْ الحزن ولا يكون الابن موجودًا بشكل يُناسب حجم الحق، وهذا النّوع من العقوق قد لا يتضمّن صوتًا عاليًا، ولكنّه يُنهك القلوب بهدوء، ويجعل الوالدين يشعران أنّهما تراجعا في ترتيب الأولويّات حتّى صارا في آخر القائمة.

ومن العقوق الخفي، إشعار الوالدين بالمنّة، فبعض النّاس عندما يخدم أوْ يُعطي أوْ يزور، يفعل ذلك بطريقة تُشعر الوالدين أنّ ما فعله يفوق طاقته، أوْ يفوق ما يُلزمه، أوْ كأنّه يتفضّل عليهما بوقته وماله، وهذا جانب قاسٍ جدًّا؛ لأنّ الوالدين لا يحتاجان فقط إلى الخدمة، بل إلى أنْ تُقدم لهما الخدمة بطريقة تُحافظ على كرامتهما، وبرّهما أنْ يُعطيهما الابن وهو يُشعرهما أنّه سعيد بذلك، وأنْ حاجتهما إليه باب خير له، لا باب عبء.

ومن العقوق الخفي، السّخرية من طباع الكبر، فالأب إذا كرّر القصة، أوْ الأم إذا نسيت أمرًا، أوْ خافت من شيء بسيط، أوْ إذا قلّ فهمهما لبعض شؤون العصر، لا يجوز أنْ يكون ذلك مصدرًا للضحك أوْ الضيق أوْ التحقير، بل يجب أنْ يُقابل هذا كلّه بالرّحمة والتحمّل، فمن السّهل على الإنسان أنْ يُضحك على ضعف غيره، لكنّ الكريم هو الذي يُغطّي هذا الضعف باللطف، لا بالحرج.

ومن العقوق الخفي، المقارنة المؤذية، مثل مقارنة الابن والديه بغيرهما في الذّكاء أوْ الفهم، أوْ الأسلوب، أوْ العطاء، أوْ طريقة التربية، أوْ تكرار أمامهما ما يُشعرهما أنّهما أقل من الآخرين، وهذا يُخلّف أثرًا عميقًا في النّفس، لأنّ الوالدين لا يحتاجان في آخر العمر إلى من يُراجع معهما تاريخ النّقص، بل إلى من يحفظ لهما مكانتهما، ويُعذرهما في ما لم يصلان فيه إلى الكمال.

ومن العقوق الخفيّ أيضًا، أنْ يعيش الإنسان لراحته فقط، فيُحدّد برنامجه، وزياراته، وسفره، وماله، ومشاريعه التي كلّها تدور حول نفسه، ثمّ لا يترك لوالديه إلّا فتات الوقت والاهتمام، وهذا الشّكل من الأنانيّة قد لا يُدركه صاحبه كعقوق، ولكنّه في كثير من الأحيان أساس لعدّة مظاهر من التقصير، لأنّ البرّ يتطلّب أنْ يُضحّي الإنسان ببعض راحته من أجله، وأنْ لا يجعل نفسه مركز كلّ شيء.

برّ الوالدين عند الكبر والمرض والضعف

وإذا كان للوالدين حقّ في كلّ مرحلة، فإنّ هذا الحقّ يُصبح أكثر وضوحًا في مرحلة الكبر والمرضّ، لهذا السبب خصّ القرآن الكريم هذه المرحلة بالذّكر فقال: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا} [الإسراء: 23]، وذكر الكبر هنا ليس مجرّد وصف، بل لأنّ الكبر يُظهر الحاجة بشكل أكبر، ويجعل الوالدين في حالة تشبه حالهما مع ولدهما عندما كان صغيرًا لا يملك أيّ سيطرة على نفسه.

والوالدان عند الكبر قد يتغيّران، وقد يضعف الجسد، ويقل الصّبر، ويكثر النسيّان، وتزداد الحساسيّة، ويكثر الخوف، وتزداد الحاجة إلى السّؤال والأنس والمتابعة، وقد يتكرّر الحديث، وقد تتكرّر الطلبات، وقد يحتاج الوالد أوْ الوالدة إلى من يُعيد الأشياء مرارًا وتكرارًا، أوْ إلى من يُرافقهما في تفاصيل قد يراها الإنسان البعيد صغيرة، ولكنّها عند الكبير ضرورية، وهنا يُظهر الابن معدنه، هل يرى هذه المرحلة عبئًا يتمنّى التخلّص منه؟ أمْ يرى فيها فرصة لرّد بعض الجميل، وفرصة لتحقيق مكانة عالية من الوفاء والرّحمة؟

في هذه المرحلة لا يكفي أنْ يُقدّم الإنسان الخدمة الجافّة، بل يحتاج الوالدان إلى رعاية نفسيّة كبيرة، فيحتاجان إلى أنْ لا يشعرا بأنّهما ثقيلان، ويحتاجان إلى أنْ يبقى الابن لطيف الوجه، سهل العبارة، حريصًا على أنْ لا يربط حضوره عندهما بالانزعاج، لأنّ الكبير يلتقط الإشارات الدّقيقة، وقد يكفي نظرة ضيق لتُجرح قلبه، أوْ كلمة مُستعجلة لتجعله يندم على أنّه طلب، فلذلك كان البرّ في هذه المرحلة اختبارًا كبيرًا للأخلاق، لأنّ الإنسان يُقدم فيها الوقت، والصبر، والخدمة، والرّحمة، في موقف يُدرك فيه الكثير من النّاس أنّهم مُنصرفون لأنّفسهم وأسرهم وأعمالهم.

وقد يعتقد البعض أنّ هذا الجانب خسارة للوقت أوْ تعطيل للمشاريع، ولكنّ الحقيقة أنّه من أعظم جوانب الرّبح في الدّنيا والآخرة، فكم من إنسان ندم بعد وفاة والديه على لحظات كان يستطيع أنْ يُقدمها، وعلى كلمات كان يستطيع أنْ يلطف بها، وعلى تعب كان يستطيع أنْ يتحمّله ثمّ لم يفعل، أمّا من وُفق إلى الصّبر، وإلى حمل نفسه على الإحسان في هذه المرحلة، فإنّه يخرج منها وهو قد ربح أشياء ثمينة: دعاء، وطمأنينة، وذكرى طيّبة، وراحة في الضّمير، وأجرًا عظيمًا عند الله سبحانه.

بر الوالدين رغم الخلاف أو التقصير من الوالدين

إنّ من القضايا الهامّة في هذا الباب أنّ الإنسان قد يواجه في بعض الأحيان ظروفًا ليست سهلة مع والديه، فقد يكون هناك اختلاف في الطّباع، أوْ شدّة في بعض المواقف، أوْ سوء فهم، أوْ تدخّل في بعض الشّؤون، أوْ قرارات لا يوافق عليها الابن، وهنا يخطئ بعض النّاس فيظن أنّ وجود الخلاف يعطيه حقّ الجفاء، أوْ أنّ خطأ الوالدين في بعض الأمور يسقط حقّهما العام، وهذا غير صحيح.

وحقّ بر الوالدين والإحسان إليهما حقّ ثابت، لا يزول لمجرّد أنّ الوالدين ليسا كاملين في كلّ شيء، فعن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال: "ثلاث لم يجعل الله عزّ وجلّ لأحد فيهن رخصة: أداء الأمانة إلى البرّ والفاجر، والوفاء بالعهد للبرّ والفاجر، وبرّ الوالدين برّين كانا أوْ فاجرين" [الكافي 2/162].

ومعنى ذلك أنّ الولد لا يربط برّه بما يوافق مزاجه فقط، نعم، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، والولد ليس مطالبًا بأنْ يتّبع والديه في ما يخالف الشّرع، لكنّ الامتناع عن المعصية لا يبرّر الغلظة، ولا يبيح سقوط الأدب، فيمكن للإنسان أنْ يعتذر، ويمكنه أنْ يرفض، ويمكنه أنْ يبيّن وجهة نظره، لكن كلّ ذلك ينبغي أنْ يبقى داخل إطار القول الكريم، وخفض الجناح، وحفظ المكانة.

وهذا يحتاج إلى نضج كبير، لأنّ بعض النّاس إذا وقع الخلاف، تكلّم مع والديه كما يتكلّم مع خصم، أوْ حمل إلى الحوار كلّ ما في نفسه من غضب قديم، أوْ استعمل ألفاظًا جارحة بحجّة أنّه صريح، والصّراحة إذا مزّقت الأدب لم تعد فضيلة.

والولد البار يعرف أنْ ليس كلّ حقّ يقال بأيّ طريقة، وأنّ حفظ حرمة الوالدين جزء من الحقّ نفسه، وربّما يكون من الحكمة أنْ يسكت عن بعض ما عنده، أوْ أنْ يؤخّر النّقاش، أوْ أنْ يختار الوقت المناسب، أوْ أنْ يطلب من غيره أنْ يتدخّل بلطف، بدل أنْ يحوّل الخلاف إلى جرح دائم في البيت.

كما ينبغي أنّ ننتبه إلى أنّ بعض الوالدين قد يخطئون من موقع الخوف أوْ الحرص، لا من موقع العداء، وقد يفهم الابن الشدّة على أنّها رفض لشخصه، بينما تكون في أصلها خوفًا عليه، أوْ تعلّقًا به، أوْ صعوبة في التكيّف مع تغيّر الأحوال، وهذا لا يجعل كلّ شدّة صحيحة، لكنّه يساعد على أنْ تكون المعالجة أهدأ وأرحم، فالبرّ هنا لا يعني إنكار الواقع، بل يعني التّعامل معه من غير سقوط في العقوق.

أثر برّ الوالدين في صلاح الفرد والأسرة والمجتمع

بر الوالدين ليس خلقًا فرديًّا محدود الأثر، بل هو خلق إذا قوي في المجتمع أصلح أشياء كثيرة، وإذا ضعف أفسد أشياء كثيرة، فالفرد الذي يبرّ والديه يتربّى على معانٍ عظيمة؛ يتربّى على الشّكر، وعلى حفظ الجميل، وعلى تأجيل بعض راحته من أجل غيره، وعلى الرّحمة، وعلى الصّبر، وعلى التواضع، وهذه كلّها صفات تبني شخصًا أنضج وأصلح لعلاقاته كلّها، فالذي يتعلّم الصبر على والديه عند ضعفهما، ويسمع لهما، ويحتمل منهما، ويعطيهما من قلبه ووقته، يكون غالبًا أقدر على الصبر في زواجه، وأرفق في تربية أولاده، وأحسن عشرة للنّاس.

أمّا داخل الأسرة، فإنّ بر الوالدين يصنع جوًا من الرّحمة بين الأجيال، فالأطفال حين يرون أباهم أوْ أمّهم يبرّون الجد والجدّة، يتعلّمون من هذا المشهد أكثر مما يتعلّمون من الخطب الطويلة، فيرون كيف يكون الاحترام، وكيف تكون الخدمة، وكيف يكون الصوت اللين، وكيف يكون الصبر، فينشأ في نفوسهم أنّ هذا هو الوضع الطبيعي داخل البيت، أمّا إذا رأوا الجفاء، والتّأفف، والتذمّر، والقطيعة، فسيتعلمون هذه اللغة نفسها، ثمّ لا ينبغي أنْ يستغرب الكبار إذا كبر هؤلاء الصّغار وعاملوهم بالمثل.

وبرّ الوالدين يحفظ كذلك شيئًا كبيرًا من تماسك المجتمع، فالمجتمع الذي تُحفظ فيه مكانة الوالدين وكبار السن، هو مجتمع لا يزال يحتفظ بشيء من الرّحمة والوفاء، أمّا إذا صار الإنسان يُقاس فقط بقدرته على الإنتاج المادّي، فإذا ضعف أوْ كبر سقطت قيمته، فإنّ هذا المجتمع يدخل في قسوة شديدة، مهما بدا في ظاهره من تقدّم أوْ تنظيم، والبيت أوّل مكان يُقاوَم فيه هذا الجفاف، فإذا ثبتت الرّحمة في البيوت، ثبتت آثارها خارجه أيضًا.

ثمّ إنّ برّ الوالدين يريح الآباء والأمهات نفسيًّا، وهذا أمر له أثر واسع، فالوالدان إذا شعرا بالأمان في أولادهما، وبأنّ لهما مكانة وحقًّا وحضورًا، عاشا بقلب أهدأ، وكانا أقدر على العطاء للجيل اللاحق، وعلى بث الرّحمة، وعلى حفظ التوازن داخل الأسرة. أمّا إذا عاشا في خوف من الجفاء، أوْ في قلق من المستقبل، أوْ في شعور بأنّ مكانتهما تضعف كلّما تقدّمت السّنون، انعكس هذا الحزن على البيت كلّه.

ومن هنا فإنّ برّ الوالدين لا ينبغي أنْ يُفهم فقط على أنّه ثواب شخصي للولد، مع أنّ فيه ثوابًا عظيمًا، بل ينبغي أنْ يُفهم أيضًا على أنّه قوّة تحفظ الأسرة من التفكّك، وتحفظ المجتمع من القسوة، وتبقي معاني الوفاء حيّة في النّاس.

بر الوالدين بعد وفاتهما

والبرّ لا ينتهي بموت الوالدين، لأنّ حقّهما لا ينقطع من قلب الولد البار بانقطاع الحياة الدنيويّة، بل إنّ من علامات صدق البر أنْ يستمر أثره بعد الوفاة في صورة أخرى، في صورة الدّعاء، والرّحمة، والاستغفار، والصّدقة، وصلة الرّحم، وحفظ الذّكرى الحسنة، وإكرام من كانا يحبّانه، والسير على ما يرضيهما من الخير.

وكثير من النّاس لا يدركون قيمة هذا الأمر إلّا بعد أنْ يفقدوا والديهم، حينها يشعر الإنسان أنّ بابًا كبيرًا من الخير كان مفتوحًا ثمّ أغلق، وأنّ كلمة كان يمكن أنْ يقولها لم يقلها، وأنّ جلسة كان يمكن أنْ يمنحها لم يمنحها، وأنّ تعبًا كان يمكن أنْ يتحمّله لم يتحمّله، ومن هنا فإنّ برّ الوالدين بعد موتهما ليس فقط نفعًا يصل إليهما، بل هو أيضًا تربية للولد على دوام الوفاء، وعلى أنّ الحق لا يزول بانقضاء الظّرف.

ومن أجمل صور البر بعد الوفاة أنْ يحافظ الإنسان على لسانه فيذكر والديه بخير، وأنْ يدعو لهما في أوقات الإجابة، وأنْ يجعل لهما نصيبًا من صدقاته وأعماله الصّالحة، وأنْ يصل رحمهما، وأنْ لا يقطع من كانا يحبانه، فهذه الأعمال تبقي الصّلة ممتدّة، وتدلّ على أنّ البرّ عند صاحبه لم يكن مرتبطًا بالمصلحة أوْ العادة فقط، بل كان خلقًا ثابتًا.

كما أنّ هذا الأمر يخفّف شيئًا من ألم الفقد، فالإنسان إذا كان بارًّا بوالديه في حياتهما، ثمّ استمرّ برّه لهما بعد موتهما، عاش معهما ذكرى طيّبة، وراحة في القلب، وشعورًا بأنّه أدّى شيئًا من حقّهما، أمّا من فرّط في حياتهما، ثمّ أهمل بعد موتهما، فإنّه يجمع على نفسه ألم الغياب، وألم النّدم، ولهذا فالعاقل لا يؤخّر البر، ولا يكتفي بالنيّة، بل يعمل ما استطاع ما دام الباب مفتوحًا، ثمّ يبقي بعد الوفاة ما يستطيع من وجوه الوفاء.

وأخيرًا نقول: إن كلمة الأمير عليه السلام ترشدنا إلى أنّ برّ الوالدين ليس فعلًا صغيرًا، بل علامة على كرم النفس نفسها.، وأنّ من أراد أنْ يعرف نصيبه من هذا الكرم، فلينظر إلى أدبه مع أبيه وأمّه، وإلى صبره عليهما، وإلى مقدار ما في قلبه من رحمة لهما، وإلى وفائه لهما في حياتهما وبعد مماتهما.

 
 
أضف تعليقاً
الاسم
البريد الإلكتروني
التعليق
من
أرقام التأكيد Security Image
 
 
جميع الحقوق محفوظة لموقع روضة الفكر © 2026م