» من ذُلّ المعاصي إلى عزّ التقوى               » شرف المؤمن وعزّه               » من مكارم الأخلاق               » برّ الوالدين من أكرم الطباع               » ثلاثية السّعادة               » من قواصم الظهر               » دور المال في فساد الإنسان (1)               » أهل البيت والقرآن الكريم               » الصّدق والكذب               » كلّا إنّها كلمة هو قائلها                
 
القائمة الرئيسية
 
الرئيسية
مسائل وردود
المكتبة الصوتية
المكتبة المرئية
المكتبة المقروءة
المؤلفات
الأسرة والمجتمع
الأخلاق
بحوث ومقالات عامة
بحوث ومقالات عقائدية
بحوث ومقالات في رحاب أهل البيت
اتصل بنا
 
القائمة البريدية
 
محرك البحث
 
المتواجدون 0
زوار اليوم 15
عدد الزوار 44895
التعليقات 1
 
الأخلاق
 
 
من ذُلّ المعاصي إلى عزّ التقوى
روضة الفكر - 2026/09/29 - [المشاهدات : 4]
 

 من ذُلّ المعاصي إلى عزّ التقوى

الشيخ حسن عبد الله العجمي

قال الإمام الصّادق عليه السلام: "مَن أخرجه الله من ذُلِّ المعاصي إلى عزِّ التقوى، أغناه الله بلا مال، وأعزَّه بلا عشيرة، وآنسه بلا بشر". [ميزان الحكمة 7/369].

هذه الكلمات القليلة تحمل معنى واسعًا يمس حياة الإنسان في أعمق مواضعها. فهي لا تتحدّث عن المعصية بوصفها فعلًا منفردًا فحسب، ولا عن التقوى بوصفها مجموعة من الأعمال الظاهرة فقط، بل تتحدّث عن التحوّل الذي يقع في شخصية الإنسان عندما ينتقل من العيش تحت سلطان الشّهوة والهوى والخوف، إلى العيش في ظل مراقبة الله والرّضا به.

فالإنسان قد يملك المال لكنّه لا يشعر بالغنى، وقد ينتمي إلى أسرة قويّة لكنه لا يشعر بالعز، وقد يكون كلّ يوم بين الناس لكنه يعيش في وحشة شديدة. وفي المقابل قد يكون قليل المال، محدود العلاقات، بعيداً عن الشهرة، لكنه يعيش بطمأنينة وكرامة، ويملك في داخله قوّة عصيّة على الانكسار.

هذا هو المعنى الذي يفتح لنا الإمام الصادق عليه السلام بابه: إنّ التقوى لا تمنح الإنسان مظهرًا جديدًا فقط، بل تعيد ترتيب حياته من الدّاخل؛ تجعله أقل تعلّقًا بما يملكه، وأقلّ خوفًا ممّن حوله، وأقدر على مواجهة وحدته، وأكثر احترامًا لنفسه. إنّها تنقله من حالة يكون فيها تابعًا لشهواته ونزواته، إلى حالة يصبح فيها قادرًا على أن يختار بوعي ما يريد وما يترك.

ولا يعني ذلك أن المتقي لا يمرض، أو لا يفتقر، أو لا يحزن، أو لا يحتاج إلى الناس؛ فهذه أمور من طبيعة الحياة. وإنّما يعني أنّ هذه الظروف لا تسلبه معناه كلّه، ولا تجعله مستعدًّا للمساومة من أجل التخلّص منها. فهو يظل محتاجًا، لكنّه لا يبيع كرامته. ويحزن، لكنّه لا ينهار أمام الحزن. ويحتاج إلى النّاس، لكنّه لا يجعلهم أربابًا لقلبه وقراراته.

 

المعصية حين تتحوّل إلى ذل

حين يقول الإمام عليه السلام: "من ذل المعاصي"، فهو يشير إلى أثر المعصية في أعماق الإنسان، لا إلى صورتها الخارجيّة فقط. فقد يرتكب شخص ذنبًا ولا يراه أحد، وقد يظل في نظر النّاس محترمًا ومقبولًا، لكن ذلك لا يعني أنّ المعصية لم تترك أثرًا فيه.

للمعصية أثر في علاقة الإنسان بنفسه. فحين يعرف أنه يفعل ما لا يرضي الله، ثم يكرر الفعل، ويبحث له عن أعذار، ويخفيه عن الناس، ويقلل من خطورته، يبدأ شيء من الانقسام في داخله. يريد أن يرى نفسه صالحاً، لكنه يعرف أنه ارتكب ما لا يليق. يريد أن يحافظ على احترامه لنفسه، لكنه يشعر أنه تنازل عن شيء من كرامته.

وقد لا يحدث هذا الشعور بعد المعصية الأولى، لكنه يظهر مع التكرار. فالمعصية في بدايتها تكون قراراً يتخذه الإنسان، ثم قد تتحول إلى عادة، ثم تصبح العادة قيداً. في البداية يقول الإنسان: أستطيع أن أتركها متى شئت. وبعد مدة يكتشف أنها هي التي تقوده، وأنّه يعود إليها في أوقات الغضب والحزن والوحدة والحاجة، حتّى لو قرّر قبل ذلك ألّا يعود.

وهنا يظهر معنى الذّل؛ فالذّليل بالمعصية ليس بالضّرورة من يقف أمام النّاس منكسرًا، بل قد يكون من لا يستطيع أن يرفض رغبة تسيطر عليه. قد يكون ذليلًا أمام المال، أو أمام الغضب، أو أمام شهوة معينة، أو أمام رأي جماعته، أو أمام الخوف من فقدان شخص أو منصب أو مصلحة.

وقد يفعل الإنسان أشياء يدرك سوءها، لا لأنّه يجهل خطأها، بل لأنّه فقد القدرة على مقاومة نفسه؛ فهو يعرف أنّ الكذب يضرّه، لكنّه يكذب، ويعرف أنّ الغيبة تفسد قلبه، لكنّه يخوض فيها، ويعرف أنّ المال المشبوه ليس له، لكنّه يأخذه، ويعرف أنّ العلاقة تؤذيه، لكنّه لا يستطيع التحرّر منها، ويعرف أنّ الغضب سيورثه النّدم، لكنّه يستسلم له.

إنّ الذّل هنا هو أن يصبح الإنسان أقلّ من قدرته التي منحه الله إياها؛ فقد خلقه الله عاقلًا قادرًا على التمييز، لكنّه يسمح لشهوة عابرة أو غضب لحظي بأن يقوده، وقد منحه الله كرامةً، ثمّ يفرّط فيها من أجل رضا شخص أو منفعة محدودة.

لا تعني هذه النّظرة أنّ الإنسان إذا أخطأ فقد كلّ كرامته، ولا أنّ كلّ من وقع في معصية هو إنسان سيئ لا خير فيه؛ فالنّاس يضعفون، وقد يقع الإنسان في الخطأ بسبب جهله، أو غفلته، أو وقعًا تحت وطأة الضغوط، أو لشدّة شهوته. لكنّ الخطر يبدأ حين يتحوّل الخطأ إلى إقامة دائمة، وحين يتوقّف الإنسان عن مقاومته، وحين يدافع عنه بدلًا من أن يحاول الخلاص منه.

والقرآن يقرّر أنّ الإنسان ليس عاجزًا عن تغيير حاله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرّعد: 11]. وهذه الآية لا تعني أنّ الإنسان يملك كلّ شيء، أو أنّ كلّ ما يصيبه ناجمٌ عن اختياره، لكنّها تذكره بأنّ في داخله مساحة يستطيع أن يبدأ منها؛ قد لا يقدر على تغيير الظروف كلّها، لكنّه يستطيع أن يغيّر موقفه، وأن يغلق بابًا من أبواب الذّنب، وأن يبدأ بتصحيح ما يقدر عليه.

الأنس بالله يخفف هذا التعلّق المؤلم، فيجعل الإنسان يعرف أن محبة الناس نعمة، لكنها ليست المصدر الوحيد للأمان. ويجعله قادراً على تحمل بعض الوحدة دون أن يندفع إلى كل علاقة تؤذيه.

وقد يحتاج الإنسان إلى أن يتعلم الجلوس مع نفسه. لا أن يهرب كل لحظة إلى الهاتف أو الحديث أو الضوضاء. فالخلوة القصيرة قد تساعده على فهم مشاعره، ومراجعة أخطائه، وسماع ما يحاول أن يخفيه عن نفسه.

ولا يعني ذلك أن كل عزلة نافعة. إذا جعلت العزلة الإنسان أكثر قسوة واحتقاراً للناس، فهي ليست الأنس الذي قصده الإمام. أما إذا جعلته أهدأ وأصدق وأرحم، وأعانته على العودة إلى مسؤولياته، فهي خلوة نافعة.

 

التقوى استعادة للإنسان

التقوى في أبسط صورها تعني أن يعيش الإنسان وهو يضع رضا الله سبحانه وتعالى في مقدّمة اهتماماته، وهذا لا يعني أن يكون الإنسان معصومًا من الخطأ؛ وإنّما يعني أنْ يتشكّل لديه وعيٌ يمنعه من الانغماس في الزّلل، وأن يسترجع نفسه عندما تنحرف، وأن يعود إلى الطريق الصحيح عندما يبتعد.

وعندما سُئل الإمام الصادق عليه السلام عن التقوى، أجاب: "أن لا يفقدك الله حيث أمرك، ولا يراك حيث نهاك" [ميزان الحكمة 4/3638].

هذا التعريف يُعدّ من أوضح ما قيل في تعريف التقوى؛ فهي ليست كلمةً غامضة، وليست حالةً خاصّة بأفراد معينين، بل هي سلوكٌ يومي: أن تكون حيث يجب أن تكون، وألّا تكون حيث لا يجب أن تكون.

إذا كنت مسؤولًا عن أمانة، فالتقوى تتجلّى في أدائها. وإذا كنت صاحب سلطة، فالتقوى تقتضي عدم استخدامها في الظلم. وإذا كنت في نزاع، فالتقوى تفرض عدم الكذب. وإذا كنت وحدك، فالتقوى تعني ألّا تجعل خلوتك من النّاس خلوةً من رقابة الله. وإذا كنت في حاجة، فالتقوى تُلزمك بتحرّي الحلال، وعدم اتخاذ الحاجة ذريعةً للاستيلاء على حقوق الآخرين.

وبهذا المعنى، تُعتبر التقوى بمثابة استرداد للإنسان لذاته؛ فالإنسان الذي كان ينساق خلف شهواته يشرع في استعادة قراراته، والذي كان يلهث وراء رضا النّاس بأيّ وسيلة يبدأ في تقدير نفسه، والذي كان يهرب من وحشته إلى أيّ علاقة ضارّة يغدو قادرًا على الأنس بذاته، والذي كان يبرّر أخطاءه ينتهي إلى الاعتراف بها.

التقوى لا تُبعد الإنسان عن الحياة، بل تُقرّبه منها أكثر؛ فهو يعمل، ويُخطط، ويتعلم، ويتزوّج، ويربّي أطفاله، ويتعامل مع النّاس، ويسعى لكسب رزقه، لكنّه لا يقوم بهذه الأفعال بطريقة تفقده ذاته؛ يعيش في الدّنيا، لكنّه لا يسمح لها أنْ تستبدّ بقلبه.

وهكذا، فإنّ الانتقال من المعصية إلى التقوى يُمثل انتقالًا من العبوديّة إلى الحريّة؛ فقد يعتقد الإنسان أنّ المعصية حريّة لأنّها تُمكّنه من فعل ما يرغب فيه، لكنّ الحريّة ليست الاستجابة لكلّ رغبة، بل هي القدرة على كبحها عندما يعلم أنّها ستضرّ به أو تبعده عن الله.

فالذي لا يستطيع أن يرفض شهوته ليس حرًّا، والذي يعجز عن ردّ المال الحرام ليس حرًّا، والذي لا يقوى على مخالفة محيطه عندما يخطئ ليس حرًّا، والذي يمتنع عن الاعتذار خوفًا من إظهار ضعفه ليس حرًّا؛ الحريّة هي امتلاك الإنسان لنفسه، لا أن تملكه رغباته ومخاوفه.

 

أغناه الله بلا مال

والغنى الذي ذكره الإمام عليه السلام لا يعني أنّ المال لا قيمة له، أو أنّ الإنسان في غنى عن السّعي؛ فالمال عصبٌ من أعصاب الحياة، والسّعي لكسب الرّزق الحلال مشروع، والإنسان مُكلّف بإعالة من هم تحت رعايته، وبمداواة نفسه، وتعليم أبنائه، وسداد ديونه.

لكنّ المال بمفرده لا يصنع الغنى؛ فقد يمتلك الإنسان ثروة طائلة، لكنّه يظلّ مُنشغل القلب بخوف فقدانها، وقد يتّسع دخله، فتزداد متطلباته تَبَعًا لذلك، وقد يشتري ما لا حصر له من الأشياء، لكنّه يعجز عن شراء راحة البال، وقد يُحيط نفسه بمظاهر الرّفاهية، لكنّه يغرق في قلق دائم من المستقبل، أو من النّاس، أو من انكشاف سرّ يخفيه.

الغنى الحقيقي يكمن في ألّا يربط الإنسان قيمته بنقص ماله؛ في أن يرى المال نعمةً يُمكن الاستفادة منها، وليس مقياسًا وحيدًا لكرامته؛ فإذا وصل إليه رزقٌ شكر، وإذا تأخّر عنه صبر وواصل السعي، وإذا نقص ما يملك لم يبع دينه لتعويض النّقص بسرعة.

ومن صور الغنى ألّا يصبح الإنسان أسيرًا للمقارنة؛ فالمقارنة المستمرّة تفقر الإنسان مهما ملك؛ ينظر إلى منازل الآخرين، وملابسهم، ورحلاتهم، ومكانتهم، ثمّ يشعر أنّه دائمًا متأخر، وكلّما نال شيئًا، وجد من يمتلك أكثر منه، فيعود إلى الشّعور ذاته.

أمّا القناعة، فلا تعني كره النّجاح أو التوقّف عن تحسين الحياة؛ القناعة هي أن يطلب الإنسان المزيد دون احتقار ما يملك، وأن يسعى للأفضل، دون أن يؤجّل راحته حتّى يملك كلّ شيء، وأن يعيش يومه بما يملك، ولا يبقى مُعلّقًا بمستقبل قد لا يأتي كما يتمنّى.

القناعة أيضًا هي أن يدرك الإنسان الفرق بين الحاجة والرّغبة؛ فهو يحتاج إلى منزل، لكنّه قد لا يحتاج إلى منزل يُثقله بالدّيون، ويحتاج إلى ملابس، لكنّه لا يحتاج إلى أن يجعل مظهره ساحةً للمنافسة، ويحتاج إلى وسائل العيش، لكنّه ليس بحاجة إلى أن يثبت قيمته بالشّراء المستمر.

والمؤمن الذي يُغنيه الله بلا مال ليس بالضرورة فقيرًا في واقع حاله، بل قد يكون ثريًّا، لكنّ غناه الأساسي ليس في مقدار ما يملك؛ فالمال في يده لا في قلبه، يمكنه أن يجود ويعطي لأنّه لا يخشى الفاقة، ويمكنه أن يرفض الحرام لأنّه لا يرى في المال فرصة الحياة الأخيرة.

وقد ورد عن الإمام الصّادق عليه السلام في معنى القناعة: "من قنع بما رزقه الله فهو من أغنى الناس" [الكافي 2/139]. وهذه القناعة لا تعني ترك السعي، وإنّما تعني ألّا يتحوّل السّعي إلى لهث، ولا تتحوّل الحاجة إلى طمع، ولا ينقلب المال سيّدًا يأمر وينهى.

والتّقوى في المال تبدأ من مأتاه ومصدره؛ فليس المهم كم جمع الإنسان، بل كيف جمعه؛ إذ قد تكون الزّيادة في المال سببًا في محق البركة، وقد يكون القليل منه أهدأ بالًا وأطيب عيشًا متى كان حلالًا.

والرّزق الحلال لا يمنع الإنسان من التعب، لكنّه يمنحه راحة الضّمير؛ يستطيع أن يقتات منه دون خوف، وينفقه دون خجل، ويتركه لأهله دون أن يشعر أنّه خلّف لهم تركةً من الشّبهة والقلق، وأمّا المال الحرام، فقد يمنح صاحبه سلطةً مؤقتة، لكنّه يضطرّه إلى مداراة كذبته، وإخفاء مصدره، ومجاراة من شاركه، والخوف من انكشاف أمره؛ يبدو غنيًّا أمام النّاس، لكنّه فقير أمام نفسه.

قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3]. والمعنى هنا ليس وعدًا بأن كلّ متّقٍ سيحوز ثراءً فوريًّا، وإنّما هو يقينٌ بأنّ التقوى لا تغلق أبواب الرّزق، وأنّ الإنسان لا يحتاج إلى الخيانة حتّى يعيش، وأنّ الله يفتح له بابًا لم يكن يراه؛ قد يكون المخرج في فرصة عمل، أو في شخص يعينه، أو في فكرة تلهمه، أو في قناعة تريحه من مطالب زائدة، وأحيانًا يكون الرّزق في أن يحفظ الله الإنسان من باب ظنّه في البداية فرصة، ثمّ اكتشف أنّه كان طريقًا إلى الهلاك.

 

وأعزّه بلا عشيرة

والعزّ في نظر كثير من النّاس مرتبط بالقوّة الاجتماعية؛ إذ يظنّ الإنسان أنّه يكون عزيزًا إذا كثرت علاقاته، أو كان وراءه أقارب وأصدقاء، أو امتلك منصبًا يستطيع من خلاله التّأثير في الآخرين. ولا شك أنّ وجود الأسرة والصحبة نعمة، لكنّ العزّ الذي يعتمد عليها وحدها يبقى عزًّا هشًّا؛ فقد يكون الإنسان محاطًا بأشخاص كثيرين، لكنّهم يقفون معه لمصلحة، فإذا انقضت مآربهم، انتهى تأييدهم، وقد يملك نفوذًا واسعًا، لكنّ النّاس لا يحبّونه، وإنّما يدارونه خوفًا من سطوته، أو ينتسب إلى أسرة معروفة، لكنّه يسيء إلى اسمها بسلوكه.

أمّا عزّ التقوى، فمصدره أخلاق الإنسان؛ قد تتباين آراء النّاس، لكنّهم يجمعون في الغالب على احترام الصّادق والأمين والعادل؛ قد لا يملك الإنسان قوّةً ماديّة تحميه، لكنّه يملك سيرةً تجعل الآخرين يأنسون به ويطمئنون إليه.

والعزيز بالتقوى لا يحتاج إلى إذلال غيره لكي يثبت أنّه قوي؛ فلا يرفع صوته في كلّ موقف، ولا يذكّر النّاس دائمًا بنفوذه، ولا يجعل معونته لهم وسيلةً للتحكّم فيهم؛ إن أعان إنسانًا لم يمنّ عليه، وإن تولّى مسؤوليّةً لم يحولها إلى فرصة للاقتصاص والتشفّي.

وقد يكون من أعظم صور العز أن يستطيع الإنسان النأي عما لا يرضي الله، ولو كان هذا الشيء محبوبًا عند جماعته؛ فالبيئة قد تضغط على الفرد كي يجاريها في السخرية، أو الغيبة، أو الظلم، أو التعصّب، وإذا خالفها ربّما رمته بالضّعف أو الخيانة؛ لكنّ المتّقي يدرك أنّ انتماءه لا يبرّر له ممارسة الخطأ.

وليس العز أن تكون تابعًا للجميع حتّى لا يغضب منك أحد؛ وإنّما العز أن تحبّ النّاس دون أن تفقد قرارك، وأن تحترم أهلك دون أن تدافع عن الظلم، وأن تستفيد من أصحابك دون أن تسمح لهم بقيادتك إلى ما يضرك، وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام: "ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً". [نهج البلاغة، ص 401].

وهذه الكلمة تختصر جانبًا مهمًّا من معنى العزّ؛ فالإنسان قد لا يكون عبدًا بالمعنى الظاهر، لكنّه يجعل نفسه عبدًا لرضا الآخرين؛ يغيّر مواقفه دائمًا تجنّبًا للرّفض، ويخفي رأيه تحاشيًا لإغضاب أحد، ويشارك في الخطأ خشية الانفصال عن قرنائه.

والتقوى تمنح الإنسان قدرةً على احترام الآخرين من غير الخضوع لهم في الباطل؛ وهذا لا يعني العناد أو التكبر، بل يعني أن يكون صاحب موقف؛ يستطيع أن يخالف بأدب، ويرفض بهدوء، ويشرح رأيه دون أن يهين من يختلف معه. والعز لا يعني ألّا يحتاج الإنسان إلى أحد؛ فكل بشرٍ يحتاج إلى أهله وأصدقائه وذوي الخبرة، لكن شتان بين الحاجة الطبيعية وبين الارتهان؛ فالأولى تدفع المرء لطلب المساعدة، في حين أن الثاني يدفعه لبيع نفسه من أجلها.

فقد يحتاج الإنسان إلى عمل، لكنّه لا يقبل أن يكون هذا العمل بوابةً للمشاركة في الظلم؛ وقد يحتاج إلى علاقةٍ، لكنّه لا يرتضي أن تكون تلك العلاقة إذلالًا دائمًا له؛ وقد يحتاج إلى دعم، لكنّه لا يسمح لمن يمدّ له يد العون أن يسلبه استقلاليّة قراره.

 

وآنسه بلا بشر

هذه العبارة هي أرقّ عبارات الحديث؛ لأنّها تتصّل بالحاجة الإنسانيّة العميقة إلى الأنس؛ فالإنسان لا ينحصر مبتغاه في أن يأكل ويعمل ويمتلك فحسب، بل يريد أن يشعر بأنه مفهوم، ومحبوب، وغير متروك؛ ولذلك قد يتورط في علاقات شتى، لا لأنها صائبة، بل لفرط خوفه من الوحدة.

لكنّ كثرة النّاس لا تعني دائمًا تحقّق الأنس؛ فقد يعيش المرء في بيت مزدحم، لكنّه لا يجد من يُنصت لشكوى قلبه؛ وقد يتحدّث طوال اليوم مع الآخرين، ثمّ يستشعر في ليله أنْ ليس هناك من يدرك حقيقة ما يعانيه؛ وقد يحيط نفسه بالصحب والأصدقاء، لكنّه يظلّ خائفًا من أن يكون قربهم رهينًا بالمصالح المؤقّتة، أو قربًا سطحيًّا مبنيًّا على المظاهر يزول بزوالها.

وحين يقول الإمام عليه السلام: "آنسه بلا بشر"، فهو لا يلغي حاجة الإنسان إلى الصحبة، وإنّما يذكّره بأنّ هناك أنسًا لا ينقطع بانقطاع البشر؛ إنّ الله يمنح المتّقي قلبًا يستطيع أن يجد معنى في الخلوة، وراحة في النّجوى، وسكينة في الإياب إليه.

إنّ الإنسان الذي يثق بأن الله يعلمه ويراه ويسمعه، لا يستشعر أنّ وحدته تعني أنّه متروكٌ لشتاته؛ هذا الأنس لا يتجلّى دائمًا في صورة ابتهاجٍ مشهود؛ فقد يبكي الإنسان وهو في خلوته مع الله، وقد يشكو، وقد يشعر بالإنهاك، لكنّه لا يبثّ شكواه في فراغ؛ إنّه يعلم أنّ هناك من يسمع، وأنّ ألمه ليس غائبًا عن عين الرّعاية الإلهيّة.

والأنس بالله يعين الإنسان على ألّا يحمّل النّاس فوق طاقتهم؛ فالنّاس ليسوا قادرين على استيعابنا دائمًا، ولا على البقاء معنا في كلّ لحظة، ولا على معالجة كلّ خوف في داخلنا؛ فإذا جعل الإنسان راحته رهينةً بشخص واحد، غدا خائفًا من فقده، ساخطًا عند انشغاله، واهنًا أمام أيّ اختلاف معه.

أمّا من عرف الأنس بالله، فإنّه يحبّ النّاس دون أن يجعلهم بديلًا عن الله؛ يفرح بحضورهم، ويحزن لغيابهم، لكنّه لا يفقد نفسه؛ ويستفيد من محبّتهم، لكنّه لا يجعل قيمته رهنَ مقدار اهتمامهم.

وهذا الأنس لا يؤدّي إلى اعتزال المجتمع أو كراهيته، بل يغدو سببًا في جعل علاقة الإنسان بالنّاس أمتن وأفضل؛ فالذي لا يطلب من النّاس أن يملؤوا كلّ فراغٍ في وجدانه يكون أقدر على محبّتهم بلا ابتزاز، وعلى مسامحتهم حين يقصّرون، وعلى منحهم مساحةً حين يحتاجون إليها.

أمّا الإنسان الذي يعيش فراغًا داخليًّا شديدًا، فإنّه يدخل العلاقات ليأخذ فقط؛ يريد اهتمامًا دائمًا، واستجابةً فوريّة، وموافقةً مستمرّة، ومدحًا لا ينقطع؛ فإذا لم يحصل على ذلك، ظنّ أنّ النّاس لا يحبّونه، فربّما ضغط على الآخرين، أو كال لهم اللوم، أو هددّهم بالهجر والابتعاد.

والأنس بالله يخفّف هذا التعلّق المؤلم؛ إذ يجعل الإنسان يدرك أنّ محبّة النّاس نعمة، لكنّها ليست المصدر الوحيد للأمان؛ ويغدو قادرًا على تحمّل بعض الوحدة دون أن يندفع نحو علاقةٍ تؤذيه.

وقد يحتاج الإنسان إلى أن يتعلّم كيف يجلس مع نفسه، ألّا يهرب في كلّ لحظة إلى الهاتف، أو الحديث، أو الضّوضاء؛ فالخلوة القصيرة تعينه على فهم مشاعره، ومراجعة أخطائه، والإنصات لما يحاول إخفاءه عن ذاته.

ولا يعني ذلك أنّ كلّ عزلةٍ نافعة؛ فإذا جعلت العزلة الإنسان أكثر قسوةً واحتقارًا للنّاس، فليست هي الأنس الذي عناه الإمام؛ أمّا إذا جعلته أهدأ بالًا، وأصدق نيّةً، وأرحب رحمةً، وأعانته على النّهوض بمسؤوليّاته، فهي خلوةٌ نافعة ومثمرة.

 

التقوى ليست مظهرًا ولا ادعاء

من السهل أن يتحدّث الإنسان عن التّقوى، لكن من الصعب أن يمارسها عندما تتعارض مع مصالحه؛ إذ يمكن للمرء أن يمدح الأمانة ثمّ يخفي عيبًا في سلعته، ويمكنه أن يفيض كلامًا عن احترام النّاس ثمّ يسخر من الضعيف، ويمكنه أن يبالغ في الوعظ بالورع لكنّه لا يراقب لسانه ولا يرّد الحقوق.

لذلك، يجب أن نبحث عن التقوى في تفاصيل السّلوك لا في بريق الشّعارات: كيف يتصرّف الإنسان عندما يستبدّ به الغضب؟ وكيف يعامل من لا يرجو منه منفعةً؟ وماذا يفعل إذا وجد مالًا لا يعرف صاحبه؟ وهل يقول الحقيقة كاملةً عندما تكون ضدّه؟ وهل يعتذر عندما يخطئ؟ وهل يحفظ السرّ إذا تجرّد من المصلحة في حفظه؟

إنّ التقوى لا تعني أن يصبح الإنسان معصومًا من الخطأ؛ فقد يزلّ المتقي، لكنّه لا يفتخر بزلّته، ولا يحوّلها إلى منهج حياة، ولا يطالب النّاس بأن يشرعنوا له ما فعله؛ بل إنّه إذا أدرك خطأه، ثاب إلى رشده وتراجع عنه.

ومن أمارات التقوى أن يكون الإنسان صادقًا في وصف نفسه، أن لا يسمي الخيانة ذكاءً، ولا يسمّي القسوة صراحةً، ولا يسمّي الطمع طموحًا، ولا يسمّي الجبن حكمةً، ولا يسمّي الكبر حفظًا للكرامة.

إذ يمكن للمرء أن يستخدم عبارات جميلة لتغطية سلوك غير جميل؛ فيقول: «أنا صريح» وهو في الحقيقة جارح، ويقول: «أنا أحمي كرامتي» وهو في الواقع يرفض الاعتذار، ويقول: «أنا حريصٌ على مصلحتي» وهو في الجوهر يستغل الآخرين؛ أمّا التقوى، فتعلمه أن يراجع هذه المسميّات، وأن يواجه الحقيقة دون تزييف.

ولا ينبغي أن يتحوّل الحديث عن التقوى إلى ذريعة لاحتقار النّاس؛ فالإنسان الذي يرى نفسه أفضل من الجميع بسبب عبادته لم يفقه جوهر التّقوى؛ إذ كلّما أبصر الإنسان عيوب نفسه وعرف حاجته إلى مغفرة الله، ازداد تواضعًا لله وخلقًا مع عباده.

ويستطيع المرء أن يرفض المعصية دون أن يهين العاصي، وأن ينصح دون أن يتعالى، وأن يحذر من الخطأ دون أن ينصّب نفسه قاضيًا على الخلق؛ فالمطلوب هو الاشتغال بإصلاح الذّات، لا اتخاذ أخطاء الآخرين وسيلةً للشعور بالتفوّق.

 

التقوى في البيت والعمل والخصومة

وتحتاج التّقوى إلى أن تظهر في ميادين الممارسة اليوميّة التي يخوضها الإنسان كلّ حين، لا في أوقات العبادات والمناسك وحدها؛ وأهم هذه الميادين: البيتُ، والعملُ، ومواقفُ الخلاف.

ففي البيت، تتجلّى التقوى في طريقة الحديث مع الأهل؛ إذ قد يكون الإنسان مهذّبًا مع الأغراب خشيةً على صورته أمامهم، لكنّه يطلق العنان للسانه مع أسرته ظنًّا منه أنّهم لن يهجروه؛ وهذا منقلبٌ عن جادة الأخلاق، فالعشيرة والأقربون هم أحقّ النّاس بحسن العشرة وجميل المعاملة.

وأن يكون الإنسان تقيًا في بيته يعني أن لا يستعمل الحبّ ذريعةً للإهانة، ولا المسؤوليّة مسوّغًا للاستبداد، ولا الغضب مبرّرًا لكسر القلوب؛ يعني أن يعتذر إذا بدر منه خطأ، وأن يصغي بوعي، وأن يسعى لفهم الطرف الآخر، وأن يدرك أنّ بسطة الإنفاق لا تمنحه حقّ الظلم.

وفي العمل، تظهر التقوى في الأمانة، وإتقان الصنعة، ورعاية حقوق النّاس؛ فليست الوظيفة مجرّد ساحة يتقاضى فيها المرء راتبه فحسب، بل هي أمانةٌ يؤدي فيها ما طُوّق به من مسؤولية. فالموظّف الذي يتعمّد تعطيل مصالح النّاس، أو يبتغي منفعةً مقابل واجب مفروض عليه، أو يبدّد وقته في غير ما كُلّف به، حريٌّ به أن يراجع باطنه.

وفي التجارة، التقوى أن لا يخدع الإنسان من يشتري منه؛ وفي الإدارة، أن لا يستعمل المنصب للاقتصاص؛ وفي التعليم، أن لا يستهين بالمتعلّمين؛ وفي كلّ ميدان، أن يتذّكر الإنسان أنّ غياب الرقيب البشري لا يعني سقوط المسؤوليّة.

أمّا في الخصومة، فالتقوى غدتْ أصعب ممارسًا وأوضح بيانًا؛ إذ قد يظنّ الإنسان أنّ من حقّه الكذب على من ظلمه، أو التشهير به، أو الرّد عليه بأشد مما فعل؛ لكنّ التقوى تمنعه من أن يصبح الأذى الذي تعرّض له مسوّغًا لظلمٍ جديد.

وليس المطلوب هنا أن يتنازل الإنسان عن حقّه، بل أن يطلبه بالقسط والعدل؛ وليس المطلوب أن يسكت عن الضيم، بل أن يتعامل معه بطريقة تحميه من الارتهان للانتقام؛ فقد يربأ بنفسه ويبتعد، أو يرفع أمره إلى جهة مسؤولة، أو يطلب التعويض، لكنّه لا يلجأ أبدًا إلى الافتراء واختلاق الأباطيل.

وفي كلّ هذه المواقف الحياتيّة، يتجلّى المعنى الأعمق للتقوى الذي خطّه الإمام الصّادق عليه السلام: "أن لا يفقدك الله حيث أمرك، ولا يراك حيث نهاك"، فقد يغيب عن النّاس ما فعلت، لكنّك تدركه بوعيك، والله من ورائه شهيد.

 

التوبة طريق الخروج

ولا يمكن للإنسان أن يخرج من ذلّ المعاصي من غير توبة؛ والتوبة ليست أسى حزينٍ على الماضي، بل هي تحوّلٌ عملي نحو مسار مغاير، فقد يستهلّ الإنسان توبته بعبارة بسيطة: "لقد أخطأت"، لكنّها عبارةٌ جليلة القدر؛ لأنّها تنتزع فتيل العناد وتشرع أبواب الإصلاح.

بيد أنّ بعض النّاس يحجمون عن التوبة ظنًّا منهم أن الاعتراف بالزّلل سيهدم صورتهم؛ فيؤثرون التبرير على الاعتذار، والإنكار على التقويم؛ لكنّ الخطأ الذي نُقرّ به يسهل علاجه، أمّا الخطأ الذي ننافح عنه فإنّه يستمرّ ويتعاظم.

والتوبة لا تعني أن ينقم الإنسان على نفسه، أو يستشعر أنّه منبوذ من الخير؛ بل تعني أن يكره الفعل السوء، ويعمل على تقويم باطنه؛ فشتّان بين النّدم الذي يدفع للتغيير، والنّدم الذي ينقلب إلى امتهان دائم للذّات.

فإذا كان الذّنب بين العبد وربّه، فالسبيل الإقلاع عنه والاستغفار والعزم على عدم العود؛ وإذا كان متعلّقًا بحقوق العباد، فلا بدّ من ردّ المظالم، أو التحلّل من أصحابها، وإصلاح الضّرر بقدر المكنة؛ إذ لا يغني بكاء الإنسان في خلوته شيئًا إذا كان قد غصب حقًّا وما زال يأبى ردّه.

وقد ورد في الأثر الشّريف: " التّائب من الذّنب كمن لا ذنب له" [الكافي 2/435]؛ وهذا التوجيه يفتح للإنسان باب الأمل في الأوبة، لكنّه لا يدعوه إلى الاستخفاف بجرمه؛ فالتوبة الصّادقة تُغيّر الوجهة والمصير، وليس العواطف والمشاعر.

وفي كثير من الحالات، يحتاج الإنسان إلى تغيير البيئة التي تدفعه إلى الزّلل؛ فمن العسير أن يهجر عادةً وهو يصرّ على ارتياد الأماكن التي تقوده إليها، ومن الصعب أن يقوّم لسانه إذا ظلّ في مجالس لا يقتات أهلها إلّا على الغيبة والنّميمة، ومن المستحيل أن ينعتق من علاقةٍ تؤذيه إذا أبقى قنوات التواصل معها مشرعةً بلا حدود.

وقد يتطلب الأمر أن يطلب المعونة من شخص أمين، أو يستعين بمتخصّص إذا كان الأمر متعلّقًا بإدمان، أو اضطراب، أو تعلّقٍ مرضي شديد؛ وطلب المساعدة هنا ليس دليلًا على الضعف، بل هو اعترافٌ شجاع بأنّ الإنسان قد يحتاج إلى من يشُدّ عضده في طريق الإصلاح.

ولا ينبغي للمرء أن ييأس إذا تعثّر خطوه؛ فالتوبة ليست مضمار سباق يُحظر فيه السّقوط؛ فقد يضعف الإنسان، لكنّه يستطيع الأوبة سريعًا، وفهم سبب كبوته ليعالج جذرها؛ فالمشكلة ليست في السقوط ذاته، بل في أن يقول الإنسان بعد الكبوة: لا فائدة من النّهوض.

 

التقوى في زمن المغريات

وقد أضحى الإنسان اليوم محاطًا بصورٍ شتّى من المغريات؛ إذ قد تطرق المعصية بابه عبر شاشته، أو في ثنايا رسالة، أو إعلانٍ عابر، أو علاقة تبدأ بحديث عارض؛ وهذا ما يجعل التّقوى في عصرنا بحاجة إلى يقظة ووعي مستمرّين.

ولا يكفي أن يطمئنّ المرء قائلًا: "أنا قويٌّ ولن أتأثّر"، بل الأرشد أن يتبصّر بمواضع ضعفه؛ فمن علم من نفسه أنّه يضعف في الخلوة، فعليه أن لا يترك روحه نهبًا للفراغ؛ ومن أدرك أنّ بعض المواقع أو الحسابات تجرّه إلى الزّلل، فليباعد بينه وبينها؛ ومن عرف أنّ صحبةً بعينها تملي عليه الوهن، فليضرب دونها حدودًا واضحة.

فالتّقوى ليست في أن يختبر الإنسان ثباته كلّ مرّةٍ أمام الخطأ، بل في تجنّب المقدّمات التي تقوده إليه؛ إذ ليس من الحصافة أن يدنو المرء من لظى النّار، ثمّ يحاول أن يثبت للنّاس قدرته على أن لا يحترق.

وفي الوقت عينه، لا ينبغي أن تنحرف التقوى إلى وجل مرضيٍّ من الحياة؛ فالأصل أن يعيش الإنسان بوعيٍ بصير، لا أن يفرّ من كلّ شيء؛ يستعمل التقنيّة، ويعمل، ويخالط النّاس، ويتعلّم، لكنّه لا يترك أوعية حياته مشرعةً لكلّ ما يؤذيه.

ومن كمال التّقوى أن يدرك الإنسان أنّ بعض الفتن لا تتبدى في هيئةٍ قبيحة، بل قد تتزي في لبوس فرصةٍ، أو صداقة، أو نجاح برّاق؛ ولذا لا يزن الأمور بمظهرها الأوّل، بل يسبر غَوْر أثرها في دينه، وضميره، وأسرته، وسكينته.

فقد تلوح في الأفق فرصةٌ ماليّة طائلة، لكنّها مغموسة بالخداع؛ وقد تعرض شهرة واسعة، لكنّها تقتات على كشف خصوصيّات النّاس؛ وقد تقبل علاقة ممتعة، لكنّها تؤول بالمرء إلى الارتهان والنّدم؛ وفي مثل هذه الأحوال، يكون النّأي عن الشّيء عزًّا ورفعةً، وإن بدا في عيون الآخرين خسارةً.

 

كيف يصبح الإنسان غنيًّا وعزيزًا ومطمئنًّا؟

ولا يحدث هذا التحوّل بمجرّد تمنّي التقوى، بل يحتاج إلى ممارسات يوميّة بسيطة؛ فعلى الإنسان أن يبدأ بمراقبة نفسه دون قسوة، وأن يتساءل في ختام يومه: أين ضعفتُ؟ وأين ظلمتُ؟ وأين حفظتُ نفسي؟ وما الخطوة التي أستطيع خطوها غداً؟

ومن المفيد أن يختار الإنسان بابًا واحدًا يشرع منه؛ فقد يبدأ بحفظ اللسان، أو أداء الأمانة، أو كفّ اليد عن المال المشبوه، أو كبح الغضب، أو المحافظة على عبادة راتبة؛ فالأرشد أن لا يحاول المرء تغيير حياته كلّها في يومٍ واحد، لئلا يصاب بالإحباط والانتكاس.

فالتغيير المستمر أحقّ بالرّعاية من الحماس المؤقت؛ إذ قد تكون خطوةٌ صغيرة تتكرّر خيرًا من قرارٍ كبير لا يستمر. فالإنسان الذي يضبط كلمةً واحدة في اليوم، قد يكتشف بعد مدّةٍ أنّ لسانه أضحى أهدأ بالًا؛ والذي يراجع مصروفه بصدقٍ، قد يتبيّن له أنّه في غنى عن كثيرٍ مما كان يظنّه ضروريّاً؛ والذي يتعلّم الاعتذار، قد يفلح في ترميم علاقات حسبها قد انتهت.

ومن الأهمية بمكان أن يحسن الإنسان اختيار بطانته وصحبته؛ فهو لا يحتاج إلى حشدٍ من الأصدقاء، بل هو بحاجة إلى من لا يدفعه إلى الخطأ، ولا يسخر من التزامه، ولا يستغل ضعفه؛ فالصحبة الصالحة لا تعني أن يكون أفرادها معصومين، بل أن يشدّ بعضهم أزر بعض على الخير، وأن يقوم بنيانهم على الصدق والنصيحة والرّحمة.

كذلك يحتاج الإنسان إلى المحافظة على صلته بالله بطريقة راسخة؛ قد تكون الصّلاة، والدّعاء، والذّكر، والاستغفار وسائل تعينه على ذلك، لكنّ المطلب الأساس ليس تكثير الأعمال بلا حضور، بل أن يجد في عبادته مساحة للصّدق والأوبة.

وحين يضعف الإنسان، لا ينبغي له أن ينأى عن الله خجلًا من ذنبه، بل الأوْلى أن يفرّ إليه بذنبه؛ فالجناية لا ينبغي أن تتحوّل إلى مسوّغ لترك الصلاة أو الدّعاء أو الاستغفار؛ فالعبد الذي يستشعر أنّه نأى عن ربّه، هو أحوج ما يكون إلى الاقتراب منه، لا إلى الإمعان في الابتعاد.

 
 
أضف تعليقاً
الاسم
البريد الإلكتروني
التعليق
من
أرقام التأكيد Security Image
 
 
جميع الحقوق محفوظة لموقع روضة الفكر © 2026م