الثّمرات الدّنيويّة لصلاة الليل
المصدر كتاب: "يوم تبكي العيون"
للشيخ حسن عبد الله العجمي
قد ورد في فضل صلاة الليل من الآثار الدّنيويّة ما روي عن الإمام الصّادق عليه السلام أنّه قال: «صلاة الليل تحسّن الوجه، وتحسّن الخلق، وتطيّب الرّيح، وتدرّ الرّزق، وتقضي الدّين، وتذهب بالهم، وتجلو البصر». [بحار الأنوار 84/153].
وهذه الرّواية جمعت سبع ثمراتٍ دنيويّةٍ عظيمة تستحقّ الوقوف عندها كلّها بشيءٍ من التأمّل:
تحسينُ الوجه ونضارتُه أوّل هذه الثّمرات، وذلك أنّ نور المناجاة الليليّة ينعكس على الوجه فيكسبه بهاءً لا يستطيع فنّ التّجميل أنْ يُصنِّع مثله، فوجه المُصلّي بالليل يحمل نورًا خفيًّا يسْري إلى القلوب قبل أنْ يقع عليه البصر، حتّى إنّ الرّائي يستأنس به قبل أنْ يعرفه، وقد شاهد النّاس عبر التّاريخ في وجوه العلماء والصّالحين الذين اشتهروا بقيام الليل من البهاء والنّور ما لا يشاهدونه في وجوه غيرهم، وهذا النّور ليس صناعةً بشريّةً ولا اكتسابًا بتجميل، بل هو منّة إلهيّة على من سهر لله وتلقّى فيوض المناجاة في السّحر.
تحسين الخلقُ ثاني هذه الثّمرات، لأنّ المُصلّي بالليل يقف في محضر الله فيمتلئُ قلبُه تواضعًا وحلمًا وسكينة، ثمّ تنسحب هذه الحالة الليلية على تعاملاته في النّهار، فيصبح الخلق الحسن عنده سجيّة وطبعًا، لا تكلّفًا ولا تصنّعًا، وذلك أنّ من استشعر عظمة الله وضآلة نفسه في جوف الليل، لم يستطع أنْ يتكبّر على أحد من الخلق في النّهار، لأنّه يعلمُ أنّ الله فوق الجميع، وأنّ الناس جميعًا عيالٌ لله، ومن استغفر من ذنوبه في السّحر، لم يستطع أنْ يعيّر غيره بذنبه، لأنّه يعلم أنّ الغالب عليه من نفسه العيوب والنّقص، ومَن سأل الله العافية في ليله، رحم أهل البلاء في نهاره، وسعى في تخفيف مصائبهم، فتنعكس الحال الرّوحيّة الليليّة على الخلق النّهاري انعكاسًا طبيعيًّا، فيصبح صاحبها ليّنًا في تعامله، رحيمًا في قلبه، متواضعًا في نفسه، حليمًا على من أخطأ في حقّه.
تطييبُ الرّيح ثالث الثّمرات، وهذا الأثر يجمع بين المعنى الحسّي، وهو طيبُ رائحة الفم والبدن ببركة العبادة، والمعنى المعنويّ، وهو طيبُ الذّكْر وحُسنُ السّمعة بين النّاس، فمن النّاحية الحسِّية، قد لوحظ أنّ أهل قيام الليل تكون رائحتُهم طيبةً في الغالب، وذلك ببركة ذكر الله على ألسنتهم، وقراءتهم القرآن، وأنفاسهم التي تخرج بذكر الله وتسبيحه، ومن النّاحية المعنويّة، فإنّ ذكر المُصلّي بالليل يكون طيبًا بين النّاس، وذلك أنّ الله يضع له القبول في الأرض، فيمدحه الخلقُ من غير أنْ يكون قد سعى إلى مدحهم، ويحبّه الناس من غير أنْ يكون قد تكلّف لجذب محبّتهم، لأنّ الله إذا أحبّ عبدًا ألقى محبّته في قلوب عباده.
إدرارُ الرّزق رابع الثّمرات، وهذا مما جرّبه أهلُ الليل، فإنّ السّاهر في السّحر يُصيبُ من الرّزق النّازل في هذا الوقت ما لا يُصيبُه الغافلون، والرّزقُ هنا يشملُ المال والعلم والصحّة والذّرّية وراحة البال، وقد وردت الآثارُ أنّ الرّزق يُقسّم في السّحر، فمن كان قائمًا بين يديّ ربّه في ذلك الوقت، كتب الله له نصيبه من الرّزق النّازل، ومن كان نائمًا غافلًا، فاته ذلك النّصيب، ولا يُظنّنّ أنّ الرّزق المُدرّ يعني بالضّرورة كثرة المال، بل قد يكون الرّزق في القناعة، والقناعة كنزٌ لا يفنى، وقد يكون الرّزق في البركة، فيسدّ القليل حاجة الكثير، ويكفي البضعُ من المال ما لا يكفي الكثير عند غيره.
قضاءُ الدّين خامس الثّمرات، وهذا من أعجب الآثار؛ فكم من مثقل بالدّيون قد ضاقت به الحيل، فلمّا لجأ إلى قيام الليل، فرّج اللهُ عنه من حيثُ لا يحتسب، وسخّر له من الأسباب ما يخلّصه من كربات الدّين، وليس السرُّ هنا في مجرّد الدّعاء الذي يدعو به المُصلّي، بل في كون قيام الليل يفتحُ للعبد أبوابًا من الفرج والتّوفيق، فيهتدي إلى طرق للكسب لم يكن يعرفها، أو يسخّر الله له من يعينه على قضاء دينه، أو يبدّل الله همومه بالانفراج، أو ينزل عليه من البركة في ماله ما يُغطّي به ديونه.
ذهابُ الهمّ والغمّ سادس الثّمرات، وهذا الأثرُ من أعظم آثار صلاة الليل، خاصّةً في عصرنا الذي كثرت فيه الهموم وضاقت فيه الصّدور، فإنّ من يفرغ همومه بين يديّ مولاه في جوف الليل، تنزلُ على قلبه سكينةٌ لا تصنعُها العقاقيرُ ولا يحقّقها المرشدون، وذلك أنّ الهموم والغموم إنّما تنشأ في القلب من الشّعور بالعجز عن مواجهة المصائب، ومن الخوف من المستقبل المجهول، ومن استحضار الفشل الماضي، ومن الإحساس بالوحدة والعزلة، فإذا وقف العبدُ بين يديّ ربّه، وأدرك أنّ الذي يستمع إليه هو خالق الكون، ومالك الملك، ومدبّر الأمر، والذي بيده مقاليدُ كلّ شيء، انزاحت من قلبه تلك الأحمال الثّقيلة، وحلّت محلّها طمأنينةٌ عميقة.
جلاءُ البصر سابع الثّمرات، وقد فسّر هذا بمعنيين: البصر الحسّي، فيقوى ويحدّ ببركة يقظته لله ودموعه من خشيته، والبصيرةِ القلبية، فيهدي اللهُ صاحبها إلى معرفة الحقّ ورؤية الأمور على حقائقها، أمّا جلاءُ البصر الحسّي، فقد لوحظ أنّ كثيرًا من الصّالحين المتمسّكين بقيام الليل يبقون على قوّة البصر إلى سنٍّ متأخِّرة، بينما يفقدُ غيرُهم بصره في سنٍّ مبكّرة، وقد يكونُ ذلك ببركة الدّموع التي تُروّي العين، والسّجود الذي يزيدُ من الدّورة الدّموية في الرّأس، والتلّاوة التي تُنيرُ العين بذكر الله، وأمّا جلاءُ البصيرة، فهو الأثرُ الأعظم، وذلك أنّ من سهِر لله وتلقّى نوره في السّحر، فتح الله له من مغاليق الأمور ما لم يفتحه لغيره، فيرى الحقّ حقًّا ويرى الباطل باطلًا، ويميّزُ بين الغثّ والسّمين، وبين النّافع والضّارّ، وبين من يستحقّ الثّقة ومن لا يستحقّها، وهذه الفراسةُ الصّادقة من أعظم النّعم التي ينالُها المؤمنُ في هذه الدنيا، وقد ورد أنّ المؤمن ينظر بنور الله.
وعن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله أنّه قال: «عليكم بقيام الليل، فإنّه دأب الصّالحين قبلكم، ومقربة لكم إلى الله عزّ وجلّ، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم، ومطردة الدّاء عن الجسد». [المعجم الكبير للطبراني 6/258].
وهذه الرّواية تُضيفُ ثمراتٍ أخرى ينبغي الوقوفُ عندها بالتّفصيل:
فأوّلًا، صفةُ دأب الصّالحين قبلنا لصلاة الليل، ومعنى الدّأب في اللغة هو العادةُ المستمرّة والطّريقةُ الدّائمة، فقد جعل صلى الله عليه وآله صلاة الليل عادةً مستمرّةً للصّالحين الذين مضوا قبلنا، من الأنبياء والأوصياء والأولياء، فما من نبيّ إلّا وكانت له سنّةٌ في القيام، وما من وصيّ إلّا وكان من أهل الليل، وما من وليّ إلّا وقد داوم على هذه العبادة، وفي هذا دعوةٌ صريحةٌ للأمّة إلى الاقتداء بهؤلاء العظماء، والسّير على خُطاهم، والانتظام في سلك من سبقنا إلى مرضاة الله فمن أراد أنْ يكون في مصافّ الصّالحين، فليقتد بهم في هذا العمل الشّريف، وليجعله من دأبه ومنهاجه.
وثانيًا، وصف قُربة إلى الله، وهذا وصف عظيم الشّأن، لأنّ القربة إلى الله هي المقصد الأعظم من العبادات كلّها، فكلّ عبادةٍ إنّما تشرّعت لتُقرّب العبد من ربّه، لكنّ صلاة الليل قد اختصّت بأنّ جُعلت من أقرب القُربات إليه سبحانه، وذلك أنّ العبد حين يقفُ في محضر الله في وقت ينام فيه النّاس، ويخلو معه بلا شاغل ولا مشاركة، تحصل له من القرب ما لا يحصل في غير هذا الوقت، وهذا القربُ ليس قربًا مكانيًّا، فالله سبحانه منزّهٌ عن المكان، بل هو قربٌ روحيٌّ ومعنويٌّ، تشعر به روح العبد ويستأنس به قلبُه، ويشعرُ معه بمعيّة الله وقربه وحفاوته.
وثالثًا، وصفُ منهاة عن الإثم، وهذا من أعظم ما تُحقّقُه صلاة الليل في حياة العبد، فإنّ الذي يقفُ بين يديّ الله في الليل، ويُناجيه ويستغفرُه، يستحيي أنْ يعصيه في النّهار، فتصبحُ صلاةُ الليل حاجزًا بينه وبين الذّنوب، وحصنًا منيعًا يحفظُه من الانزلاق في المعاصي، وهذا معنىً قرآنيٌّ عميق، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]، وصلاةُ الليل من أعظم الصّلوات في تحقيق هذا المعنى، لأنّها تُلامسُ القلب ملامسةً مباشرة، وتُحدثُ فيه من التّغيير ما لا تُحدثُه الصّلواتُ الأخرى، ومن نظر في أحوال أهل الليل، وجدهم أبعد النّاس عن المعاصي، وأشدّهم اجتنابًا للشّبهات، وأعمقهم استحياءً من الله، وذلك أنّ ما يذوقونه من حلاوة المناجاة، يجعلهم يخافون على أنفسهم من فقد هذه اللذّة، فيبتعدون عن كلّ ما يُغضبُ الله لئلّا يُحرموا منها.
ورابعًا، وصفُ تكفير للسّيئات، فإنّ ما يقعُ من العبد من الذّنوب الصّغيرة تُكفّرُ بقيامه لله في الليل واستغفاره في الأسحار، وذلك أنّ الإنسان مهما بلغ من الصّلاح، لا يخلو من زلّات وهفوات، فيأتي في جوف الليل نادمًا منكسرًا، يستغفرُ ربّه، ويسألُه العفو، فيغفرُ الله له، ويُبدّلُ سيّئاته حسنات، وقد وصف الله المستغفرين بالأسحار وصفًا كريمًا في قوله: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: 17]، فذكرهم في مصاف الصّابرين والصّادقين والقانتين والمنفقين، ممّا يدلّ على عظمة هذه الصّفة عند الله، وليس المرادُ بالاستغفار مجرّد اللفظ باللسان، بل الاستغفارُ المقرونُ بالنّدم والعزم على عدم العودة، وهذا هو الاستغفارُ الحقيقيّ الذي يكفّرُ السيّئات.
وخامسًا، وصفُ مطردةٌ للدّاء عن الجسد، وهذا أثرٌ جسديّ ماديّ عجيب، فإنّ قيام الليل يقوّي البدن ويطرد عنه الأمراض، ببركة يقظته لله وحركته في العبادة، فضلًا عن البركة المعنويّة التي تحفظُ الجسد من الأدواء، وقد بحث علماء الطّب الحديث في تأثير الاستيقاظ في الأسحار وممارسة العبادة على الصحّة، فوجدوا أنّ ذلك يُقوّي مناعة الجسم، وينشّطُ الدّورة الدّموية، ويقلّلُ من الاكتئاب والقلق، ويُحسّنُ من نوعية النّوم بعد الاستيقاظ الفجريّ، فضلًا عن أنّ السّجود المتكرّر في صلاة الليل يُخفّفُ الضّغط على القلب، ويُنشّطُ الدّورةَ الدّموية في الدّماغ، ويُقوّي عضلات الظّهر والرّقبة، ولكنّ هذه الفوائد الطبيعيّة ليست هي المقصود الأعظم، بل هي جزءٌ من البركة الإلهيّة التي تنزل على الجسد ببركة قيام الليل، وحفظ الله لعبده الذي سهِر لأجله.