القناعة وصلاح الزّوج
الشيخ حسن عبد الله العجمي
قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: "أنعم النّاس عيشَا من منحه الله سبحانه القناعة وأصلح له زوجه" [غرر الحكم ودرر الكلم، ص 393].
هذه الحكمة تختزل فلسفة كاملة في السّعادة الإنسانية، إذ تحصر نعيم الحياة الدّنيا في ركيزتين اثنتين لا ثالث لهما في تحقيق الطّمأنينة الحقيقيّة: ركيزة داخليّة تتصل بنفس الإنسان وهي القناعة، وركيزة خارجيّة تتصل بأقرب النّاس إليه وهي الزّوج الصّالح، فلم يجعل الإمام عليه السلام نعيم العيش في المال الوفير، ولا في الجاه العريض، ولا في الصّحة الفارهة، ولا في كثرة الولد، ولا في القصور المشيّدة، وإنّما جعله في أمرين يستطيع الإنسان أن يبلغهما وإنْ كان في أضيق الحال، ما دام الله سبحانه قد منّ عليه بهما، وفي هذه الحكمة ردٌّ ضمنيٌّ على كلّ الفلسفات الماديّة التي علّقت السّعادة الإنسانيّة بمقادير من الثّروة أوْ الجاه، وتنبيه لطيف إلى أنّ حقيقة الإنسان ليست في ما يملك، وإنّما في ما هو عليه من الحال.
إنّ الإنسان منذ أن وجد على هذه الأرض يبحث عن السّعادة، ويطلب الرّاحة، ويسعى إلى العيش الرّغيد، غير أنّ أكثر النّاس ضلّوا الطّريق إليها لأنّهم طلبوها في غير موضعها، فمنهم من ظنّ أنّ السّعادة في جمع المال فأفنى عمره في الكدح خلف الدّينار والدّرهم، ومنهم من حسبها في تحصيل الجاه فأتعب نفسه في المداراة والتملّق، ومنهم من توهّمها في تنوّع الملاذ فسقط في وحل الشّهوات ولم يجد في نهاية المطاف إلّا الفراغ والملل، وكلّ هؤلاء ماتوا وهم لم يذوقوا طعم السّعادة الحقيقية، أمّا أمير المؤمنين n فقد فتح للنّاس بابًا آخر، وأشار إلى طريق ثانٍ، وهو أنّ العيش الهنيء لا يصنع من الخارج ثمّ يسكب في القلب، بل يصنع في القلب أوّلًا ثمّ ينعكس على الخارج فيغمر الحياة بنوره ودفئه.
التأصيلُ القرآنيُّ لمفهومي القناعة وصلاح الزّوج
لم تأت هذه الحكمة من أمير المؤمنين عليه السلام في هذا الشأن من فراغ، ولم تكن رأيًا شخصيًّا أدلى به من عند نفسه، وإنّما كانت استنطاقًا عميقًا لمعاني القرآن الكريم الذي هو مصدر حكمته ومنبع علمه، فالإمام عليه السلام هو الذي يقول عن نفسه في وصف صلته بكتاب الله: "ما نزلت آية إلّا علمت فيم نزلت وأين نزلت في ليل أو في نهار أو جبل أو سهل" [غرر الحكم ودرر الكلم، ص 697]، فكان كلامه عليه السلام ترجمة حيّة لآيات القرآن ومقاصده.
وحين نتأمّل في القرآن الكريم نجد أنّه أسس لمفهوم القناعة في مواضع كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [طه: 131]، وهذه الآية الكريمة ترسخ في النّفس معنى القناعة من زاوية دقيقة، إذ تنهى عن مجرّد النّظر بالعين إلى ما في أيدي الآخرين، فضلًا عن الحسد والتّمني والسّعي لتحصيل مثله بأيّ وسيلة، فإذا كان مجرّد إطالة النّظر منهيًّا عنه، فما ظنّك بما هو أشدّ منه من تعلق القلب وتحسّر النّفس؟
ومن الآيات التي ترسّخ معنى القناعة قوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: 32]، فالرّزق مقسوم بحكمة إلهيّة بالغة، وليس نتيجة للحظ ولا بسبب الجهد البشري فقط، وإنّما هو تدبير من الحكيم العليم الذي يعلم ما يصلح عباده، فمن آمن بهذه الحقيقة سكنت نفسه واطمأنّ قلبه ورضي بما قسم له، ومن غفل عنها ظلّ يجري خلف سراب الرّزق حتّى يدركه الموت وهو في سعيه لم يظفر بالرّاحة.
وأمّا في شأن الزّوج الصّالح فقد أسس القرآن الكريم لمفهومه في آيات بالغة الجمال والدّقة، ومنها قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21]، وهذه الآية الكريمة عدّت الزّواج آية من آيات الله في الكون، على مستوى آيات خلق السّماوات والأرض واختلاف الألسنة والألوان، وهذا يدلّ على عظمة هذه العلاقة ومكانتها في المنظومة الكونيّة، كما وصف الله العلاقة الزّوجية بأنّها سكن ومودّة ورحمة، وهذه ثلاثة معان متلازمة لا يتحقق العيش الرّغيد إلّا باجتماعها.
وفي موضع آخر يقول الله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: 187]، وفي هذا التشبيه البديع إشارة إلى وظائف متعدّدة يقوم بها كلّ زوج لصاحبه، فاللباس يستر العورة، ويقي من الحرّ والبرد، ويزيّن الجسد، ويحفظ الكرامة، وكذلك الزّوج لزوجه يستر عيوبه ويحفظ سرّه ويقيه من غوائل الحياة ويكون زينة له بين النّاس، فحين يجتمع في العلاقة الزّوجية معنى السّكن ومعنى المودّة ومعنى الرّحمة ومعنى اللباس، تكون قد بلغت ذروة الصّلاح الذي أشار إليه أمير المؤمنين عليه السلام في حكمته.
ومن هنا يتبين أنّ هذه الحكمة من الإمام عليه السلام إنّما هي خلاصة مركّزة لمعاني هذه الآيات الكريمة، فالقناعة تحقيق لأمر الله بعدم التطّلع إلى زهرة الحياة الدّنيا، وصلاح الزّوج تحقيق لآية السّكن والمودّة والرّحمة، ومن جمع بين تحقيق هذين الأمرين فقد جمع بين طرفين من طرفي هداية القرآن الكريم.
القناعةُ في اللغة والاصطلاح ودرجاتُها
القناعة في اللغة من قَنَعَ يَقْنَعُ قُنوعًا وقَنَاعَةً إذا رضي بما أعطي، وقد فرّق علماء اللغة بين القنوع بالضّم والقناعة بالفتح، فالأوّل هو السّؤال والتطلّب، والثّاني هو الرّضا والاكتفاء، وهما ضدّان في المعنى وإنْ اشتركا في الأصل، أمّا في الاصطلاح الأخلاقي فهي حالة نفسيّة راسخة يقف بها صاحبها عند ما قسم الله له من الرّزق، فلا تتطلّع نفسه إلى ما في أيدي النّاس، ولا يشعره ما نقص من حظه الدّنيوي بشيء من الضّيق أو الحرمان.
والقناعة درجات يرتقي فيها العبد من أدناها إلى أعلاها، فأدنى درجاتها أنْ يقنع الإنسان بالكفاف من الرّزق الحلال، فلا يمدّ يده إلى الحرام ولو كان فقيرًا، وهذه الدّرجة لا ينبغي أن ينزل عنها مؤمن، وأعلى منها درجة أن يقنع الإنسان بما رزقه الله فلا يتطلّع إلى ما عند غيره ولو كان دون ما يكفيه بحسب العرف، وأعلى منها أن تكون نفسه في حال الغنى وحال الفقر سواء، فلا يفرح بالإقبال ولا يحزن بالإدبار، وأعلى الدّرجات أن يرى الإنسان ما بيده من الرّزق فضلًا من الله يستوجب الشّكر، مهما قلّ في نظر النّاس، فيعيش في حال حمد دائم وشكر متواصل، وهذه درجة المقرّبين من عباد الله.
وللقناعة علامات يمكن للإنسان أن يستدلّ بها على وجودها في قلبه أو خلّوه منها، فمن علاماتها ألّا تجد نفسك متحسّرًا على ما فاتك من الدّنيا، ولا فرحًا مرحًا بما جاءك منها، ومنها ألّا تجد نفسك ملتفتًا إلى ما في أيدي النّاس من نعيم، ولا مشغول البال بمقارنة حالك بحال غيرك، ومنها ألّا يدفعك فقد شيء من متاع الدّنيا إلى الشّكوى والتضجّر، بل تراك راضيًا بقضاء الله صابرًا على بلائه، ومنها ألّا تغيّر نعم الله عليك من سلوكك إنْ أعطيت، ولا تغّير محنه من ثباتك إن منعت.
ومن دقيق ما ينبغي أن يلتفت إليه في نصّ كلامه عليه السلام أنّه قال: "من منحه الله سبحانه القناعة"، وفي هذا إشارة لطيفة إلى أنّ القناعة في حقيقتها منحة إلهيّة وعطيّة ربانيّة، لا تنال بالجهد البشري فحسب، وإنّما بتوفيق من الله يهبه لمن أراد به خيرًا، وهذا لا يعني أنّ الإنسان يجلس منتظرًا هذه المنحة دون سعي، بل يعني أنّ عليه أن يسعى إليها بالدّعاء والمجاهدة وتربية النّفس، ثمّ يفوّض أمره إلى الله الذي بيده ملكوت كلّ شيء، فالقناعة إذًا فيض يهبط على القلب من عالم الغيب حين يهيئ الإنسان نفسه لاستقباله بالتخلّي عن الطّمع والحسد وتطلّب ما في أيدي الآخرين.
القناعةُ كنزٌ لا يفنى وغنًى لا يُنال بمال
قد ورد عن الإمام عليه السلام في موضع آخر من كلماته النورانيّة قوله: "القناعة مال لا ينفد" [نهج البلاغة، ص 478]، وهذه العبارة تنقل القناعة من دائرة الفضائل المعنويّة إلى دائرة الثّروات الحقيقيّة، وتؤسس لمفهوم جديد للثّروة يختلف اختلافًا جوهريًّا عن المفهوم المادّي السّائد، فالأموال التي يجمعها النّاس في خزائنهم عرضة للنّفاد، إمّا بحادثة تذهبها كحريق يلتهمها أو فيضان يغرقها، أوْ بيد تسرقها كلص يستولي عليها أو ظالم يصادرها، أو بموت يفصل صاحبها عنها، أمّا القناعة فمال مخزون في القلب لا تصل إليه يد سارق، ولا تحرقه نار، ولا يغرقه ماء، ولا يفصل الإنسان عنه حتّى الموت، لأنّ صاحبها يلقى الله بها فيثاب عليها في دار الجزاء.
ومن ثمرات القناعة التي تجعل صاحبها أنعم النّاس عيشًا أنّها تحرّر الإنسان من الأسر الأكبر الذي يقع فيه أكثر الخلق، وهو أسر الحاجة إلى النّاس، فمن قنع استغنى عن النّاس، ومن استغنى عن النّاس عزّ، ومن عزّ ذاق حلاوة العيش، ومن ذاق حلاوة العيش صار في غنى عن كلّ ما يبتغيه الطّامعون، وقد أشار الإمام عليه السلام إلى هذا المعنى بقوله: "الغنى الأكبر اليأس عما في أيدي النّاس" [نهج البلاغة، ص 534]، فاليأس هنا ليس يأسًا من رحمة الله، وإنّما هو انصراف القلب عن التعلّق بما يملكه الآخرون، وهذا الانصراف هو الغنى الحقيقي، وحين يبلغ الإنسان هذه الرّتبة فإنّه لا يعود يبيع دينه لأجل دنيا غيره، ولا يذلّ نفسه لأجل عطاء زائل، ولا يقف بباب من هو دونه، فيعيش حرًّا كريمًا مرفوع الرّأس، لا يخضع إلّا لله، ولا يذل إلّا في طاعته.
وليست القناعة التي أرادها الإمام عليه السلام دعوة إلى الكسل والقعود عن الكسب، ولا تحريضًا على الفقر وترك السّعي في الأرض، وإنّما هي حالة قلبيّة تتزامن مع السّعي المشروع، فالإنسان القانع يعمل ويكدح ويطلب الرّزق من أبوابه الحلال، لكنّه إذا حصل على ما تيّسر له لم يتحسّر على ما فاته، ولم يستقل ما حصله، ولم يرمق بعينه ما عند غيره، وهذا الجمع بين السّعي الظّاهري والقناعة الباطنيّة هو سرّ العيش الرّغيد الذي أشار إليه الإمام عليه السلام، لأنّ الإنسان حين يسعى ويقنع يكون قد استوفى حقّ الدّنيا بالعمل، واستوفى حقّ الآخرة بالرّضا، فجمع بين حسنيين، ومن هنا كان أمير المؤمنين عليه السلام نفسه يعمل بيده ويسقي بستانه ويحفر الآبار ويتصدّق بأجر عمله، ولم يكن عمله هذا منافيًا لقناعته، بل كان تجسيدًا لأعلى معاني القناعة التي تجمع بين الكسب الحلال والزّهد في المكاسب الحرام.
وقد نبه الإمام عليه السلام في موضع آخر إلى أنّ الطّمع الذي هو ضد القناعة هو مصدر شقاء الإنسان، فقال: "الطمع رقّ مؤبّد" [نهج البلاغة، ص 501]، فالطّامع عبد لطمعه، أينما ذهب الطّمع ذهب معه، وأينما سكن الطّمع سكن معه، لا يستطيع أن يتحرّر منه ولا أن يجد راحة في ظلّه، فالقناعة إذًا حريّة، والطّمع رقّ، والحرّ لا يكون إلّا هنيء العيش، والعبد لا يكون إلّا شقيّ الحال.
القناعةُ والتوكّلُ على الله علاقةٌ لا تنفصم
إنّ القناعة فضيلة لا يمكن أن تسكن القلب أو تترسّخ فيه إلّا إذا ارتكزت على التوكّل الصّادق على الله؛ فالتوكّل هو الأصل والقناعة هي ثمرته اليانعة فمن المحال أنْ يرضى الإنسان بنصيبه من الدّنيا وهو يعيش في ريب من حكمة التّدبير الإلهي، أو يتوهّم أنّ ضيق عيشه ما هو إلّا نتاج صدفة عابرة أو توزيع غير عادل، بل إنّ اليقين بأنّ كلّ رزق مقدور بحكمة بالغة هو السبيل الوحيد لطمأنينة النّفس ورضاها.
فالمتوكل على الله يؤمن إيمانًا راسًخا بأنّ الله سبحانه هو الرّزاق ذو القوّة المتين، وأنّه هو الذي يبسط الرّزق لمن يشاء ويقدر، وأنّ ما جرى به قلم التّقدير ماض لا محالة، وأنّ الحكمة الإلهيّة اقتضت أنْ يكون كلّ عبد في حال يناسبه ويصلحه، فإذا رسخ هذا الإيمان في القلب أثمر رضا بما قسم الله، وهذا الرّضا هو جوهر القناعة، أمّا من لم يتوكّل على الله حقّ توكلّه فإنّه يظلّ يجري خلف الرّزق ظنًّا منه أنّه بسعيه وحده يحصله، فإذا فاته شيء حزن عليه حزنًا شديدًا، وإذا رأى في يد غيره ما ليس في يده امتلأ قلبه حسدًا وضغينة.
وقد أشار أمير المؤمنين عليه السلام إلى هذه العلاقة بين التوكّل والقناعة في مواضع من كلامه، منها قوله: "من توكّل على الله ذلّت له الصّعاب، وتسهّلت عليه الأسباب" [ميزان الحكمة 4/3660]، فالمتوكّل ينال من الله ما لا يبلغه غيره بجهده المضاعف، لأنّه استعان بالقويّ العزيز، فأعطاه من فضله، وسدّد خطواته، وذلّل له ما استصعب عليه، وحين يرى العبد هذه العناية الإلهيّة في حياته يزداد توكله، ويزداد رضاه، وتزداد قناعته، فتدور هذه المعاني في نفسه دورانًا تصاعديًّا يرتقي به من درجة إلى درجة أعلى.
ومن ثمرات اجتماع التوكّل والقناعة في القلب أنّ الإنسان يستريح من عبء التّخطيط المفرط للمستقبل والخوف الدّائم من المجهول، فالإنسان الذي لا يتوكّل على الله يعيش في قلق متواصل بشأن رزقه غدًا وبعد غد وبعد عشر سنين، فيتعب نفسه بحسابات لا تنتهي، ويجمع ما لا يحتاجه خشية ما لا يعلمه، أمّا المتوكّل القانع فإنّه يعمل ما يستطيع في يومه، ويدّخر ما يليق للمستقبل من غير إفراط، ثمّ يفوّض أمره إلى الله الذي رزقه في الأمس ويرزقه في اليوم ولن يتركه ضائعًا في الغد.
وحين يجتمع في القلب توكل صادق وقناعة راسخة يجد الإنسان نفسه في حال من الاستغناء الحقيقي لا يبلغه الأغنياء بأموالهم، فهو مستغن عن النّاس بتوكله على الله، ومستغن عن التطلّع إلى ما في أيديهم بقناعته بما رزقه الله، فيعيش في حريّة لا تشترى بالمال، وفي كرامة لا تنال بالجاه، وهذا هو أعلى معاني العيش الرّغيد الذي أشار إليه أمير المؤمنين عليه السلام في حديثه.
الفروقُ بين القناعة والزّهد والكسل
من الأمور التي ينبغي التنبيه إليها في مقام الحديث عن القناعة أنّ كثيرًا من النّاس يخلطون بينها وبين مفهومين آخرين، أحدهما فضيلة أعلى منها هو الزّهد، والآخر رذيلة يتذرّع لها أحيانًا بلبوس القناعة وهو الكسل، والتّفريق بين هذه المفاهيم الثّلاثة أمر ضروريّ لكيلا يقع الإنسان في وهم أنّه من أهل القناعة وهو في الحقيقة من أهل الكسل، أو أن يظنّ أنّه بلغ درجة الزّهد وهو لم يجاوز درجة القناعة العاديّة، فالقناعة كما تقدّم هي رضا القلب بما قسم الله من الرّزق مع بذل الجهد المشروع في تحصيل المعاش، أمّا الزّهد فهو درجة أعلى، إذ لا يقتصر على الرّضا بما رزقه الله، وإنّما يتعدّى ذلك إلى الإعراض عن زوائد الدّنيا حتّى مع القدرة على تحصيلها، فالزّاهد قد يملك المال الكثير ولكنّه لا يتعلّق به قلبه، ولا يشغله عن الله، ولا يبخل به في مواضع البذل، وقد وصف أمير المؤمنين عليه السلام الزّهد في الدّنيا بقوله: "الزّهد كلّه بين كلمتين من القرآن: قال اللّه سبحانه: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾، [الحديد: 22] ، ومن لم يأس على الماضي، ولم يفرح بالآتي، فقد أخذ الزّهد بطرفيه" [نهج البلاغة، ص 553]، فالفرق بين القناعة والزّهد هو أنّ القناعة رضًا بالقليل عند وجوده، والزّهد إعراض عن الكثير عند حصوله.
أمّّا الكسل فهو نقيض العمل والسّعي، وقد يتلبّس بلبوس القناعة فيقول صاحبه: أنا قانع بما رزقني الله ولا أحبّ أن أتعب نفسي في السّعي، وهذا خطأ فادح في فهم القناعة، فالقناعة لا تنافي السّعي، وإنّما تنافي التطلّع والحرص، فالإنسان مأمور شرعًا بالسّعي في طلب الرّزق الحلال، وإعالة من تلزمه إعالتهم، وأداء الحقوق التي عليه لله وللعباد، ولا يستطيع أن يقوم بشيء من ذلك إلّا بالعمل والكدح، فالكسول الذي يجلس في بيته ويترك عياله في حاجة ثمّ يزعم أنّه قانع، إنّما هو مقصر في حقّ الله وحقّ عياله، وليس من أهل القناعة في شيء، فالميزان الدّقيق هو أنّ القانع يعمل ويكدح ثمّ يرضى بما حصل، والزّاهد يملك ثمّ يعرض، والكسول لا يعمل ولا يكدح ثمّ يتذرّع بالقناعة لتبرير تقصيره، ومن هنا كان من الضّروري أن يفتش الإنسان في نفسه ليعلم في أيّ المنازل هو، فإن وجد نفسه يعمل ويرضى فهو قانع، وإن وجدها تعرض عن الزّوائد مع القدرة فهو زاهد، وإن وجدها تترك العمل ثمّ تتذرع بالقناعة فهو كسول يخدع نفسه.
الآفاتُ التي تُفسد القناعة في نفس الإنسان
إنّ القناعة فضيلة عزيزة المنال، سهلة الفقد، وقد تسلّطت عليها آفات عديدة تفسدها في القلب إذا لم يحذرها الإنسان ويحصّن نفسه منها، ومن أخطر هذه الآفات آفة الحسد، وهو تمنّي زوال نعمة الآخرين، وهو من أشد الأمراض فتكًا بالقلب لأنّه يجعل صاحبه في حال عذاب دائم، فالحاسد يتألّم حين يرى نعمة الله على غيره، فيعيش محرومًا من نعمته هو، ومكتويًا بنار نعمة غيره في آن واحد، وقد بين أمير المؤمنين عليه السلام سوء أثر الحسد بقوله: "الحسد لا يجلب إلّا مضرة وغيظًا، يوهن قلبك، ويمرض جسمك" [بحار الأنوار 70/256]، فالحسد يقضي على القناعة من أساسها، لأنّ القانع لا يتطلّع إلى ما عند غيره فضلًا عن أن يتمنّى زواله.
ومن الآفات التي تنخر في القناعة آفة مقارنة النّفس بغيرها، وهي داء عصري استحكم في نفوس كثير من النّاس بسبب انتشار وسائل التّواصل الاجتماعي التي أتاحت للإنسان أن يطّلع على تفاصيل حياة غيره في كلّ لحظة، فحين يرى الإنسان ما ينشره أصحابه من صور سفر ومظاهر ترف ومناسبات فرح يقارن حياته بحياتهم، وينسى أنّ كلّ ما يراه ليس إلّا الوجه الأمثل من حياة الآخرين الذي يظهرونه للنّاس، وأنّ خلفه من الهموم والأحزان والمنغّصات ما لا يعلمه إلّا الله، فهذه المقارنة الظّالمة تفسد على الإنسان قناعته بحياته، وتجعله دائم الشّعور بأنّه محروم من نعم الله التي غيره يتقلّب فيها.
ومن الآفات الحديثة آفة التّأثر بالإعلام الاستهلاكي الذي يعمل ليل نهار على خلق حاجات زائفة في نفوس النّاس، فمن طبيعة الإعلان التّجاري أنّه يقنع المشاهد بأنّه لا يستطيع أنْ يكون سعيدًا إلّا إذا اقتنى السّلعة المعلن عنها، وأنّ حياته ناقصة ما لم يمتلك أحدث ما أنتج من الأجهزة والملابس والأثاث، وهذا الغزو الإعلامي المستمر ينشئ في نفس الإنسان رغبات لم يكن يعرفها قبل أن يرى الإعلان، فيتحوّل من قانع بما لديه إلى مطارد لسراب لا يدركه، ومهما اقتنى من الأشياء لا يشعر بالاكتفاء لأنّ الإعلان يأتيه بالجديد في كلّ يوم.
ومن الآفات آفة رفقاء السّوء الذين تتمحور اهتماماتهم حول الأمور الماديّة والتّفاخر بها، فالإنسان ابن بيئته ومحيطه، وإذا جالس قومًا لا حديث لهم إلّا عن السّيارات الفارهة والمنازل الفخمة والرّحلات الترفيهيّة فسينتقل عدوى التطلّع إلى قلبه شاء أمْ أبى، ولذلك على المرء أن يختار الأصدقاء ممّن تتحلّى نفوسهم بالقناعة والزّهد، لأنّ مجالستهم تذكّر بالله وتزهّد في الدّنيا وتنمّي القناعة في القلب.
ومن الآفات العميقة آفة الجهل بحقيقة الدّنيا وطبيعتها الفانية، فإنّ من ظنّ الدّنيا دار قرار حرص على الاستمتاع بكلّ ما فيها، ومن علم أنّها دار ممرّ لا دار مقرّ اكتفى بما يبلغه المنزل، فالجهل بحقيقة الدّنيا يفتح على الإنسان أبواب الطّمع والحرص، والعلم بحقيقتها يغلق عليه هذه الأبواب ويفتح له أبواب القناعة والرّضا.
ولعلاج هذه الآفات ينبغي للإنسان أن يداوم على تذكير نفسه بنعم الله عليه، وأن يقارن حاله بمن هو دونه لا بمن هو فوقه، وأن يبتعد عن مثيرات الطّمع من الإعلانات والمجالس التي تذكّر بالدّنيا وزخارفها، وأن يكثر من قراءة سير الصّالحين الذين اتّخذوا القناعة منهجًا لحياتهم فحصلوا على راحة الدّنيا وثواب الآخرة.
التربيةُ على القناعة منذُ الصغر
مما ينبغي أنْ يعنى به المرّبون في المنازل والمّدارس أنّ القناعة لا تغرس في نفس الإنسان بعد أن يكبر ويستحكم فيه الطّمع، وإنّما تغرس منذ الصّغر في نفس الطّفل بأساليب تربويّة خاصّة، فالطّفل الذي يربّى على أن يلبّي له كلّ ما يطلب من غير حساب ينشأ على أن يظنّ أنّ كلّ ما يخطر في باله ينبغي أن يحصل عليه، فإذا كبر وواجه الحياة التّي لا تلبّي كلّ الرّغبات وقع في صدمة نفسيّة وشعر بالحرمان الدّائم.
وأوّل ما ينبغي أن يغرس في نفس الطّفل هو الشّكر لله على ما لديه من نعم، وذلك بأن يعتاد الحمد عند كلّ طعام يأكله وكلّ لباس يلبسه وكلّ لعبة يلعب بها، فالشّكر حين يعتاده الطّفل يصبح جزءًا من شخصيّته، وينمّي فيه الإحساس بأنّ ما يملكه نعمة عظيمة يستحق الحمد عليها، لا أمرًا مفروغًا منه لا يستحق الالتفات إليه، وحين يدرك الطّفل أنّ الله هو الذي يرزقه ويعطيه ينشأ على تعلّق قلبه بمعطي النّعم لا بالنّعم ذاتها.
ومن الأساليب التربويّة الفاعلة تعليم الطّفل الانتظار وعدم الحصول على ما يريد فورًا، فمن الأخطاء التربويّة الشّائعة عند كثير من الآباء والأمّهات أن يلبّوا لأولادهم كلّ طلب في الحال، ظنًّا منهم أنّ ذلك من الرّحمة بهم، وهو في الحقيقة من الضّرر الذي يعود عليهم، فالطّفل الذي يعتاد الحصول الفوري على كلّ ما يريد لا يستطيع أن يصبر على شيء في كبره، ولا يقدر على تأجيل رغباته، فيعيش في اضطراب دائم، أمّا الطّفل الذي يتعلّم أن ينتظر وأن يصبر فإنّه ينمو ونفسه معتادة على تحمّل التّأخير، فتكون قناعته أرسخ وصبره أعظم.
ومن الأساليب إشعار الطّفل بمن هو دونه من الأطفال الفقراء والمحتاجين، وذلك بأخذه معه إلى زيارات للأيتام ومساكين يعيشون في ظروف صعبة، أو بمشاركته في توزيع الصّدقات والمساعدات عليهم، فحين يرى الطّفل بعينه من هو محروم مما هو فيه من نعم، يدرك حجم نعمة الله عليه، ويشعر بالشّكر لما لديه بدلًا من التطلّع إلى ما ليس لديه.
ومن الأساليب قص حكايات الصّالحين والزّاهدين على الطّفل بأسلوب يناسب عمره، وبيان كيف عاشوا في قناعة ورضا رغم ما ابتلوا به من ضيق العيش، وكيف أنّ الله رفعهم في الدّنيا والآخرة بسبب قناعتهم، فالحكايات تدخل إلى قلب الطّفل من غير استئذان، وتشكّل تصوراته الأولى عن الحياة، وتنميّ فيه القيم التي يريد المربون أن يغرسوها.
ومن الأساليب كون الأبوين قدوة حسنة في القناعة والرّضا، فإنّ الطّفل لا يتعلّم من الأقوال بقدر ما يتعلّم من الأفعال، ولا يتأثّر بالمواعظ بقدر ما يتأثّر بالمشاهدات، فإذا رأى الطّفل أباه دائم التذمّر من الحياة، شاكيًا من ضيق الرّزق، متطلّعًا إلى ما في أيدي الآخرين، فإنّه سيرث عنه هذه الصّفات لا محالة، أمّا إذا رآه راضيًا بما رزقه الله، حامدًا شاكرًا، غير ملتفت إلى ما عند غيره، فإنّه سيكتسب منه هذه الصّفات من غير حاجة إلى موعظة.
ومن الأساليب التربويّة تعليم الطّفل التمييز بين الحاجات الحقيقيّة والرّغبات العابرة، وذلك بمناقشته حين يطلب شيئًا حول ما إذا كان يحتاجه فعلًا أمْ أنّه مجرّد رغبة عابرة استجابت لإعلان رآه أو صديق اقتنى مثله، فحين يعتاد الطّفل هذا التمييز ينشأ على وعي استهلاكي يحميه في كبره من الوقوع في فخّ الإعلان التّجاري الذي يسعى إلى تحويل كلّ رغبة عابرة إلى حاجة ضروريّة.
الآثارُ النفسيّةُ والاجتماعيّةُ للقناعة
في حياة الفرد والأمّة
للقناعة آثار عميقة لا تنحصر في الجانب الفردي الأخلاقي، بل تمتد لتشمل الحياة النفسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة للإنسان والأمّة على السّواء، فمن النّاحية النفسيّة يتمتّع القانع بحالة من الاستقرار العاطفي والاطمئنان الدّاخلي لا يظفر بها الطّامع الحريص مهما بلغ من الغنى، فالطّامع يعيش في حالة من القلق الدّائم خشية ألّا يبلغ ما يريد، ثمّ في حالة من القلق خشيّة أن يفقد ما بلغه، فهو بين قلقين لا يفارقانه، أمّا القانع فإنّه يعيش في راحة لأنّه لا يطمع فيما ليس عنده فيقلق من أجله، ولا يخاف على ما عنده فيتنغّص به.
وقد أثبتت الدّراسات النفسيّة الحديثة أنّ كثيرًا من الاضطرابات النفسيّة كالاكتئاب والقلق والوسواس ترتبط ارتباطًا وثيقًا بحالة عدم الرّضا عن الحياة، وأنّ الأشخاص الذين يمتلكون صفة الرّضا والقناعة يتمتّعون بصحة نفسيّة أفضل ومناعة أقوى ضدّ هذه الاضطرابات، وهذا ما أشار إليه الإمام n قبل أربعة عشر قرنًا حين جعل القناعة سببًا لأنعم العيش، وهو معنى يشمل الصّحة النفسيّة والرّاحة العاطفيّة والاستقرار الوجداني.
ومن النّاحية الاجتماعيّة فإنّ للقناعة أثرًا بالغًا في تماسك المجتمع وسلامته من الآفات، فالمجتمع الذي يسوده أفراد قانعون راضون بما رزقهم الله، مجتمع خال من الحسد والحقد والغلّ، مجتمع يتعاون أفراده على الخير، ويفرح كلّ منهم بما عند أخيه، ويسعى في تخفيف ضائقة إخوانه ما استطاع، أمّا المجتمع الذي ينتشر فيه الطّمع والتطلّع إلى ما في أيدي الآخرين، فإنّه يصبح ساحة للحسد والغيبة والنّميمة والوشاية، بل قد يصل الأمر إلى الاعتداء على الحقوق والدّماء.
وقد وصل الإنسان المعاصر إلى حالة يرثى لها من فقد القناعة، حيث تحوّل إلى كائن استهلاكي يسعى وراء اقتناء كلّ جديد، ويستبدل ما لديه بأحدث منه وإن كان ما لديه لا يزال صالحًا، وقد أنتج هذا الاستهلاك المفرط أزمات اقتصاديّة على مستوى الأفراد حين يغرقون في الدّيون لأجل اقتناء ما لا يحتاجون، وأزمات بيئيّة على مستوى الكوكب حين يستنزف ما فيه من موارد لتلبية رغبات لا نهاية لها، ولو أنّ الإنسان المعاصر رجع إلى حكمة أمير المؤمنين عليه السلام في القناعة لتغيّر وجه العالم، ولانحسرت كثير من الأزمات التي يعانيها، ومن النّاحية الاقتصاديّة فإنّ القناعة ليست مانعة من التنمية كما يظنّ بعضهم، وإنّما هي منظّمة لها، فالقانع يعمل ويكسب ويوفّر ويستثمر، ولكنّه لا ينفق إلّا في حقّ، ولا يجري خلف كماليّات لا تنتهي، فيبقى ماله محفوظًا لما ينفعه ومن حوله، وهذا النّمط من الاستهلاك الواعي هو ما تسعى إليه أرقى النّظم الاقتصاديّة اليوم تحت مسميّات كالاستهلاك المسؤول والاقتصاد المستدام، وقد سبق إليه الإسلام بقرون حين دعا إلى القناعة والاعتدال في الإنفاق.
الزّوجُ الصّالحُ
السكنُ الذي يُطفئ لهيب الحياة
انتقل الإمام عليه السلام في حديثه من الرّكيزة الدّاخلية إلى الرّكيزة الخارجيّة، فذكر صلاح الزّوج بوصفه المتمّم الثّاني للعيش الرّغيد، والزّوج في اللغة العربيّة يطلق على الذّكر والأنثى، فالرّجل زوج المرأة، والمرأة زوج الرّجل، وهذا يعني أنّ الحديث الشّريف ليس موجّهًا إلى الرّجال فحسب، بل يشمل الرّجال والنّساء على السّواء، فسعادة الرّجل في صلاح زوجته، وسعادة المرأة في صلاح زوجها، وهذا التّوسيع في الدّلالة من عظمة لغة العرب التي جعلت لفظة "الزّوج" صالحة للجنسين، ومن دقّة اختيار الإمام لهذه اللفظة ليعم حكمه النّاس جميعًا.
والحياة الزّوجية في نظر الشّريعة ليست رابطة لتنظيم الغريزة فقط، ولا شراكة لتقسيم نفقات البيت، وإنّما هي علاقة روحيّة عميقة جعلها الله سبحانه سكنًا للنّفس ومودّة ورحمة بين القلبين، وحين يكون الزّوج صالحًا يتحقّق هذا السّكن الذي وعد الله به عباده، فيجد الإنسان في بيته ملاذًا يأوي إليه من عناء الحياة، ومستراحًا يستريح فيه من نصب العمل، وقد صور الإمام عليه السلام هذه العلاقة الحميمة في مواضع من كلامه، حيث اعتبر البيت حصنًا يحتمي به الإنسان من فتن الحياة، والزّوج عمودًا لهذا الحصن، فمتى كان العمود صالحًا كان الحصن منيعًا، ومتى كان متصدّعًا انهار الحصن على من فيه.
وحين يتأمّل المرء في تركيب الجملة التي وردت عن الإمام عليه السلام يلحظ أنّه قال: "وأصلح له زوجه"، وفي هذا التّعبير دقّة لطيفة، فالصّلاح الذي يمنح العيش الرّغيد ليس مجرّد صلاح عام في الزّوج، وإنّما صلاحه بالنسبة إلى شريكه، فقد تكون المرأة صالحة في نفسها ولكنّها لا تناسب زوجها، وقد يكون الرّجل صالحًا في نفسه ولكنّه لا يوافق زوجته، فالمطلوب هنا هو التّناسب والانسجام والتّوافق بين الزّوجين في الطّباع والأمزجة والأخلاق، بحيث يكون كلّ منهما مصلحًا للآخر ومكمّلًا له، وهذا الإصلاح منسوب إلى الله سبحانه في حديث الإمام عليه السلام، لأنّ توفيق الزّوجين للانسجام من التّوفيقات الإلهّية التي لا يقدر عليها الإنسان وحده.
موقعُ المرأة في منظومة العيش الرّغيد
نعود فنقول: أنّ من الحقائق التي ينبغي أن تبرز في هذا المقام أنّ حديث أمير المؤمنين عليه السلام في وصف أنعم النّاس عيشًا جاء بتعبير شامل للجنسين، حيث استعمل لفظة "الزّوج" التي تصلح للذّكر والأنثى في اللسان العربي، وعليه فإنّ هذا الاستعمال في حد ذاته رسالة عميقة إلى أنّ المرأة ليست تابع في العلاقة الزوجيّة فحسب، وإنّما هي طرف أساسيّ فيها، وأنّ سعادتها لا تقل أهميّة عن سعادة زوجها، وأنّها تستحق أن يكون لها زوجٌ صالحٌ كما يستحقّ الرّجل أن يكون له زوجٌ صالحٌ.
وقد أعاد الإسلام للمرأة اعتبارها في زمن كانت الحضارات الكبرى فيه تهينها وتحط من قدرها، فقد كانت بعض الأمم تعدّها من متاع البيت الذي يورث ولا يرث، وكانت ثقافات أخرى تعدّها كائنًا ناقصًا في العقل والدّين لا يستحقّ العناية، فجاء الإسلام ليقرّر أنّها إنسان كامل الإنسانيّة، مكلّفة كالرّجل، مثابة على عملها كالرّجل، معاقبة على تقصيرها كالرّجل، ولها في الجملة حقوق وواجبات كما للرّجل حقوق وواجبات، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوف﴾ [البقرة: 228]، فأثبت لها الحقوق في مقابل الواجبات في تعادل يليق بكرامتها الإنسانيّة.
ودور المرأة في تحقيق السّكينة الأسريّة دور لا يقلّ أهمّية عن دور الرّجل، بل يفوقه في جوانب عديدة، فالمرأة هي التي تصنع أجواء البيت من الدّفء العاطفيّ والاستقرار النّفسي، وهي التي تربّي الأولاد في سنواتهم الأولى التي تتشكل فيها شخصياتهم، فالمرأة الصّالحة تصنع أمّة صالحة، والمرأة الفاسدة تفسد أمّة بأسرها، لأنّ أثرها لا يقف عند زوجها وإنّما يمتد إلى الأجيال من بعدها.
وينبغي أن يتنبه الرّجال إلى أنّ سعادة المرأة في البيت ليست فقط رفاهيّة يتفضّل الرّجل بها عليها، وإنّما هي حقّ لها كما هو حقّ للرّجل، فكما أنّ الرّجل لا يستطيع أن يجد العيش الرّغيد إذا كانت زوجته سيئة، فكذلك المرأة لا تستطيع أن تجده إذا كان زوجها سيئًا، ومن هنا كان على الرّجل أن يحرص على إسعاد زوجته كما يحرص على إسعاد نفسه، وأن يعاملها بالمعروف الذي أمر الله به، فإنّ في ذلك تحقيقًا لأمر الله وسببًا لسعادته هو أيضًا، فسعادة الرّجل في بيته مشروطة بسعادة زوجته، وشقاؤه فيه مشروط بشقائها، فهما شريكان في السّعادة وفي الشّقاء.
وينبغي أيضًا أن تعطى المرأة فرصتها كاملة لتنمية قدراتها العلميّة والفكريّة والاجتماعيّة ضمن الحدود الشرعيّة، فإنّ المرأة ليست كائنًا مقصورًا على أعمال البيت وإنّما هي شخصيّة متكاملة لها اهتماماتها وطموحاتها، وحين تجد المرأة في زوجها من يشجّعها على تنمية ذاتها ويعينها على تحقيق ما تريد من الخير، فإنّها تجد فيه صلاحًا حقيقيًّا، وتشعر بأنّ حياتها معه سكن ومودّة ورحمة كما وصف الله العلاقة الزّوجية.
معاييرُ اختيار الزّوج الصّالح في تراث أهل البيت عليهم السلام
لما كان صلاح الزّوج من أعظم أسباب العيش الرّغيد، اهتم أهل البيت عليهم السلام بتوجيه أتباعهم إلى المعايير التي ينبغي أن يختار الزّوج على أساسها، حتّى لا يقع الإنسان في اختيار سيئ ينغّص عليه حياته بأسرها، فمن أهم هذه المعايير التي ينبغي أن تلتمس في الزّوج الصّالح معيار الدّين والتّقوى، فإنّ صاحب الدّين يخاف الله في شريكه، فلا يظلمه ولا يهضم حقّه ولا يخونه في غيبته، وقد ورد عن النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله أنّه قال: "إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته يخطب إليكم فزوّجوه، إن لا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير" [بحار الأنوار 100/372]، فالدّين إذًا هو المعيار الأوّل الذي يقاس به الزّوج، لأنّ الدّين الحقيقي يتضمّن كلّ فضيلة ويحرّم كلّ رذيلة.
ويلي معيار الدّين معيار الخلق، فإنّ حسن الخلق من أهم ما يعان به الإنسان على معاشرة زوجه، فحسن الخلق يشمل الحلم والصّبر والعفو والتّسامح والرّفق في المعاملة واللين في الكلام، وكلّ هذه الصّفات ضروريّة في الحياة الزّوجية لأنّها حياة تقتضي التّعامل اليومي والاحتكاك المستمر الذي لا يمكن أن يمرّ بلا خلافات ومنغصات، فإذا كان الزّوج حسن الخلق عالج هذه الخلافات بيسر، وإذا كان سيئ الخلق حوّل أصغر الخلافات إلى معارك لا تنتهي.
ومن المعايير المهمة أيضًا معيار الأصل الكريم والمنبت الطّيب، فإنّ الأصل الكريم يورث صاحبه مكارم الأخلاق التي نشأ عليها، والمنبت الخبيث يورث صاحبه سفاسف الأمور التي رآها في محيطه، وقد ورد عن أهل البيت عليهم السلام التحذير من الزّواج من ذوي الأصول الفاسدة ولو كانوا في الظّاهر متجمّلين بجمال أو مال، لأنّ الأصل الفاسد لا بد أن يظهر أثره ولو بعد حين.
ومن المعايير التي ينبغي مراعاتها معيار العقل والوعي، فإنّ الشّراكة الزوجيّة تقتضي شريكًا عاقلًا يدرك حقوق الشّراكة وواجباتها، ويحسن التصرّف في المواقف المختلفة التي تعرض في الحياة.
ومن المعايير التي تُذكر في هذا السياق - وإن لم تكن في مرتبة المعايير المتقدّمة - معاييرُ الجمال والمال والحسب؛ فالدين لا يذمّ هذه الاعتبارات في ذاتها، غير أنّه لا ينبغي تقديمها على ركائز الدّين، والخلق، والعقل، والأصل. وقد ورد في تراث أهل البيت عليهم السلام النّهي عن اقتران الرّجل بالمرأة لمحض جمالها أو مالها؛ فالجمال يزول والمال يذهب، ولا يبقى إلّا الدّين والخلق ليصنعا سكينة الحياة الزوجيّة وامتدادها.
آدابُ العشرة الزوجيّة بعد الاختيار
إنّ صلاح الزّوجين لا يتحقق بالاختيار الأوّلي ثمّ الاستسلام لما تجري به الأيام، وإنّما يحتاج إلى رعاية مستمرّة وعناية دائمة بحسن العشرة وتنمية روابط المودّة والاحترام؛ فقد يبدأ الزّواج بين زوجين صالحين ثمّ يفسد بينهما الحال بسبب سوء العشرة وإهمال الآداب، وقد يبدأ بين زوجين لا يعرف أحدهما الآخر، ثمّ ينمو الحبّ والانسجام بينهما بسبب حسن العشرة ورعاية الأدب.
ومن أهمّ آداب العشرة الزوجيّة التي وجّه إليها أهل البيت عليهم السلام أدبُ المعاملة بالحسنى؛ فقد وصّى الإسلام الزّوجين أن يعامل كلٌّ منهما الآخر بأحسن ما يستطيع من مكارم الأخلاق. وهذا يشمل: لين الكلام، وبشاشة الوجه، وتبادل التّقدير والاحترام، وتجنّب الجرح اللفظي، والابتعاد عن التذكير بالماضي المؤلم، والحرص على المدح والثّناء في مواضعهما، والستر على العيوب والتّغاضي عنها.
ومن الآداب الأساسيّة أدبُ التّغافل عن الهفوات؛ فإنّ من طبع البشر الوقوع في الأخطاء، ولو أنّ أحد الزّوجين حاسب شريكه على كلّ صغيرة وكبيرة، لتحوّلت الحياة إلى محكمة دائمة لا تنتهي جلساتها؛ فالحكمة إذًا في التّغافل عمّا يُعذر فيه، والمعاتبة فيما لا يُعذر فيه، مع التدرّج في المعالجة: بالنّصيحة اللطيفة، ثمّ بالتنبيه الصّريح، ثمّ بما يليق بالمقام.
ومن الآداب العظيمة أدبُ التّعاون على أعباء الحياة؛ فإنّ الحياة الزوجيّة ليست مسيرة فردٍ وإنّما عملُ فريق، والفريق الذي يتعاون أفراده على تحمّل الأعباء يستطيع أن يبلغ ما لا يبلغه المرء بمفرده. فينبغي للزّوجين أن يتقاسما مسؤوليّات البيت بحسب ما يقتضيه كلّ ظرف، وأن يعين كلٌّ منهما الآخر فيما يواجهه من ضغوط، وألّا يتنصّل أحدهما من الأعباء ليلقيها بأكملها على الآخر.
ومن الآداب الرّفيعة أدبُ حفظ أسرار البيت؛ فإنّ البيت حَرَمٌ لا ينبغي أن يُنقل ما فيه إلى خارجه، سواء كان من الأمور السّارة أو الخلافات العارضة. وحين يندفع أحد الزّوجين ليبثّ خلافاته إلى الأقارب أو الأصدقاء؛ فإنّه يعرّض بيته لتدخّل الآخرين فيما لا شأن لهم به، وقد يُوسّع من رقعة الخلاف بدلًا من تضييقها.
ومن الآداب العظيمة أدبُ أداء الحقوق المتبادلة؛ فإنّ لكلٍّ من الزّوجين حقوقًا على صاحبه يجب عليه أداؤها، ولا ينبغي لأحدهما أن يشتغل بمطالبة شريكه بحقوقه قبل أن يفي بما عليه من واجبات. فالرّجل مأمورٌ بأن ينفق على زوجته، ويعاشرها بالمعروف، وأن يحفظ كرامتها بين النّاس، ويعينها على طاعة الله. وفي المقابل، على المرأة أن تؤدي واجباتها التي أقرتها الشريعة لزوجها، وأن تحفظ بيته في غيبته، وتُحسن رعاية أولادهما، وتشاركه أفراحه وأحزانه؛ لتكون له سكنًا وملاذًا حين يعود من كدح الحياة. [للوقوف على تفاصيل الحقوق والواجبات الخاصة والمشتركة بين الزّوجين يُراجع "كتاب النكاح" في الرّسائل العمليّة لفقهائنا الأعلام].
علاجُ الخلافات الزّوجيّة حين تقع
ومن الحقائق التي ينبغي أن يُسلّم بها في الحياة الزوجيّة؛ أنّها مهما كانت صالحة في أساسها لا بدّ أن تعترضها منغّصات وخلافات؛ لأنّها لقاءٌ بين نفسين مختلفتين في التّنشئة والطّباع والأمزجة. فمن ظنّ أنّ الحياة الزوجيّة الصّالحة هي الخالية من الخلافات فقد ظنّ ظنًّا خاطئًا؛ إذ الحياة الصّالحة هي التي يُعالج فيها الخلاف -إذا وقع- بالحكمة والصّبر، وليست تلك اللامتناهية في مثاليتها؛ وقد قدّم الإسلام منهجًا متكاملًا في علاج الخلافات الزوجيّة يبدأ بالوسائل اللطيفة ثمّ يتدرّج إلى ما هو أشدّ منها، وفي كلّ درجة يفتح باب الرّجوع إلى الصّلح الذي هو خير من الفراق.
فـأوّلُ أدوات العلاج هو الحوارُ الهادئ؛ بأن يجلس الزّوجان بعيدًا عن الأولاد والغرباء في أجواء من السكينة، ويعرض كلٌّ منهما وجهة نظره بلغة محترمة لا تجرح ولا تتّهم، فأكثرُ الخلافات الزوجيّة يمكن حلّها في هذه المرحلة، إذا أُحسِنَ إدارةُ الحوار، ونُحِّيَ عنه الغضبُ والتشنّج.
ومن آداب الحوار: الاستماع الجيّد إلى الطّرف الآخر قبل الرّدّ عليه، ومحاولة فهم مشاعره ومقصده، والإقرار بحقّه والاعتذار عن الخطأ في حقّه، فإذا لم يجد الحوار الهادئ نفعًا، انتُقِلَ إلى الموعظة الحسنة؛ وهي أن يذكّر أحد الزّوجين صاحبه بحقوق الله عليه، وبحقوق الشّراكة الزوجيّة، وبما يترتّب على استمرار الخلاف من أضرار تطال الأولاد والبيت.
والموعظة لا تكون نافعة إلّا إذا صدرت من قلب محبّ يريد الإصلاح لا من قلب متحامل يريد الإدانة، كما لا ينبغي لها أن تقترن بالتذكير بالماضي المؤلم والعيوب التي لا تنتهي.
فإذا لم تجد الموعظة نفعًا انتقل إلى التحكيم العائلي، وهو أن يختار من كلا الطّرفين رجل صالح عاقل يجلسان معهما ويستمعان إلى شكواهما ثمّ يحاولان إصلاح ذات البين، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا العلاج في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: 35]، فهذا العلاج من شرع الله الذي ينزل السّكينة ويصلح ما فسد، بشرط أن يكون الحكمان صالحين يريدان الإصلاح لا الإفساد، ويجلسان إلى الأمر بحكمة ورويّة لا بتحيّز لأحد الطّرفين.
فإذا لم يجد التّحكيم نفعًا، وتبيّن استحالة العشرة بينهما؛ فإنّ الإسلام فتح باب الفراق بالمعروف رحمةً بالطّرفين؛ إذ ليس من العدل أن يُجبر زوجان على البقاء في حياةٍ صارت جحيمًا لا يُطاق. ولكنّ الفراق في هدي الإسلام هو آخر الحلول لا أوّلها، وسبيلٌ للمعروف لا للإساءة؛ بما يحفظ لكلّ طرف كرامته وحقوقه، ويصون الأولاد من الضياع، وقد تضافرت النّصوص الشريفة في التحذير من الطلاق وبيان كراهته، ممّا يوجب بذل كلّ جهد ممكن لتجنّبه، فإن لم يمكن التّوفيق، فليكن الفراق بأحسن ما يمكن من الصّور.
ومن الوسائل العامّة في علاج الخلافات الزوجيّة: الدّعاءُ والاستعانةُ بالله؛ فإنّ الله سبحانه هو مقلّبُ القلوب، والقادر على أن يصلح ذات البين في طرفة عين إذا شاء. فينبغي للزّوجين إذا وقع بينهما خلافٌ أن يُكثرا من التضرّع والدّعاء بأن يصلح الله لهما شأنهما، وأن يلقي في قلب كلّ منهما المحبّة والودّ للآخر، وأن يمحو من نفسيهما أثر ما بدر بينهما من إساءة.
ومن الوسائل أيضًا: الرّجوع إلى النّفس بالمحاسبة؛ وقبل أن يتّهم المرءُ شريكه بأنّه سبب الخلاف، ينبغي أن يسأل نفسه: هل هو بريءٌ من إذكاء ناره؟ فربّما اكتشف أنّه هو المُشْعِلُ لكثير منه بسلوكه أو كلامه، من حيث لا يشعر.
ومن الوسائل العمليّة: تجنّبُ الحوار في لحظات الغضب؛ فإنّ المرء في حال غضبه يفقد كثيرًا من اتّزانه، فيقول ما لا يقصد، ويفعل ما يندم عليه؛ ولذا تقتضي الحكمة تأجيل النّقاش إلى وقت يهدأ فيه الطّرفان، ليعودا إلى الحديث بعقل رزين.
ومنها كذلك: البدء بالاعتذار وإن لم يكن المرء هو المخطئ؛ فالاعتذار ليس اعترافًا بالخطأ فحسب، بل هو مسعىً لإطفاء نار الخلاف ومدّ يد الصّلح، ومن كان سبّاقًا إليه، كان أكرم نفسًا وأعظم أجرًا عند الله.
التّلازمُ بين الركيزتينِ في بناء العيش الرّغيد
والملحوظ في قول الإمام عليه السلام أنّه جمع بين القناعة وصلاح الزّوج في نسق واحد؛ وهذا الجمع ليس عفويًّا وإنّما لحكمة عميقة؛ فالإنسان كائنٌ مركّبٌ من روح وجسد، ومن فرد ومجتمع، ومن داخل وخارج، ولا تتمّ سعادته إلّا بأن تتحقّق الطمأنينة في هذه الأبعاد جميعًا.
فالقناعة تحقّق الطمأنينة في البعد الرّوحي والدّاخلي، وصلاح الزّوج يحققها في البعد الاجتماعي والخارجي، فلو ظَفِرَ الإنسان بزوج صالح، ولكنّه حُرِمَ القناعة في نفسه، لظلّ يعيش في شقاء داخليّ رغم الهناء الخارجيّ؛ ولو رزق القناعة في نفسه ولكنّه ابتلي بزوج سيئ، لظلّ يعيش في نكد خارجيّ رغم الرّضا الدّاخلي، أمّا حين يجتمع له الأمران؛ فقد تكامل له العيش من داخله وخارجه، فكان حقًّا أنعم النّاس عيشًا.
ثمّ إنّ بين الأمرين تفاعلًا وتبادلًا في التّأثير؛ فالرّضا يعين على استقرار الحياة الزّوجيّة؛ لأنّ كثيرًا من مشكلات الأزواج تنشأ من عدم قناعة أحدهما بشريكه أو بما رزقه الله من العيش؛ فالمرأة التي لا ترضى بما يأتيها من زوجها من الرّزق الحلال، تنغّص عليه حياته بمقارنته بغيره؛ والرّجل الذي لا يقنع بزوجته ويتطلّع إلى ما عند سواها، يجرح قلبها ويهدم بيته بيده. وفي المقابل، فإنّ الزّوج الصّالح يعين على القنوع ويرسّخ الرضا في النّفس؛ لأنّه يذكّر شريكه بنعم الله عليه، ويحمد الله معه على ما رزقه، ويقنع بما قسم الله لهما، فتسكن نفس الآخر بالتبعيّة.
فالركيزتان إذًا متلازمتان متعاضدتان، لا تتمّ إحداهما إلّا بالأخرى؛ وقد أراد الإمام n بجمعهما في حديث واحد التنبيهَ إلى هذا التّلازم الوثيق. ومن هنا، كان على من أراد بلوغ درجة أنعم النّاس عيشًا السعي إلى تحقيق الأمرين معًا: فيربّي نفسه على القناعة بالمجاهدة والدّعاء، ويحسن اختيار شريكه بالتّأمّل والتروّي، ثمّ يحسن معاشرته بعد الاختيار ليدوم الصّلاح.
البُعدُ الأخرويّ لهذا العيش الرّغيد
ولا يفوت من يتأمّل في هذه الحكمة؛ أنّ العيش الرّغيد الذي أشار إليه الإمام عليه السلام ليس مقصورًا على المتاع الدنيويّ العابر، وإنّما هو عيشٌ ممتدٌّ يتّصل أثره بالآخرة. فالقناعة في الدّنيا تُورثُ الرضا عن الله في الآخرة، والزّوج الصّالح في الدّنيا يكون عونًا على النّجاة في العقبى؛ وهكذا فإنّ من رُزق هاتين النّعمتين فقد نال خير الدّنيا والآخرة معًا، وحقّ له أن يكون أنعم النّاس عيشًا في العاجل والآجل.
ومن دقيق ما ينبغي التنبيه عليه أنّ الإمام عليه السلام في هذا الحديث لم ينف عن أصحاب الأموال الكثيرة والجاه العريض أنْ يكونوا سعداء، وإنّما بيّن أنّ الأنعم عيشًا هو من رزق القناعة وصلاح الزّوج، سواء كان غنيًّا أمْ فقيرًا، فقد يكون الغنيّ أنعم عيشًا إذا رزق هاتين النّعمتين مع غناه، وقد يكون الفقير أنعم عيشًا إذا رزق هاتين النّعمتين مع فقره، والعبرة إذًا ليست بكثرة المال أو قلّته، وإنّما بحال القلب من القناعة، وحال البيت من صلاح الزّوج.